راشد بن سعيد.. مسيرة ملهمة من العطاء والبناء على مر الأجيال


راشد بن سعيد.. مسيرة ملهمة من العطاء والبناء على مر الأجيال


عود الحزم

الانتقال بإمارة دبي من مدينة صغيرة إلى مركز تجاري عالمي في المنطقة والعالم، تلك المهمة التي اعتبرها الكثيرون ضرباً من الخيال، ولكن لا مستحيل مع من يملك العزيمة القوية والرؤية الثاقبة القادرة على فهم الحاضر واستشراف المستقبل والتمسك بعادات وقيم ومبادئ وأصالة الماضي، هكذا كان المغفور له «بإذن الله» الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «طيب الله ثراه» – الحاكم…

emaratyah

الانتقال بإمارة دبي من مدينة صغيرة إلى مركز تجاري عالمي في المنطقة والعالم، تلك المهمة التي اعتبرها الكثيرون ضرباً من الخيال، ولكن لا مستحيل مع من يملك العزيمة القوية والرؤية الثاقبة القادرة على فهم الحاضر واستشراف المستقبل والتمسك بعادات وقيم ومبادئ وأصالة الماضي، هكذا كان المغفور له «بإذن الله» الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم «طيب الله ثراه» – الحاكم الثامن الذي ينتسب إلى عائلة آل مكتوم – الذي تصادف اليوم الذكرى 28 لوفاته، إذ انتقل رحمه الله إلى جوار ربه في السابع من أكتوبر/‏تشرين الأول العام 1990 الموافق الثامن عشر من شهر ربيع الأول عام 1411ه عن عمر يناهز 78 عاماً، قضاها رحمه الله في خدمة أمته ووطنه ومواطنيه، وبذل خلالها كل ما يملك من طاقة في سبيل تحقيق الخير واستشراف نهضة دولته، تاركاً خلفه تراثاً متمثلاً في تخطيط مدينة دبي.
ولقد تناقلت جميع إذاعات العالم خبر وفاة الشيخ راشد، وأرسل رؤساء الدول في مختلف أنحاء العالم تعازيهم في هذا المصاب الأليم.

وقفة حداد في الأمم المتحدة

وكان رد الفعل الأبرز وغير العادي هو ذلك الذي صدر على الجانب الآخر من الأطلنطي، حيث مقر الأمم المتحدة؛ فقد كان مجلس الأمن يناقش حينها طلباً حول فلسطين، فأوقف نقاشه فور تلقيه الخبر الجلل، وأعلن الحداد لمدة دقيقة حزناً على حاكم دبي. وتم تسجيل وقفة الحداد في كل من مجلس الأمن والجمعية العامة، وبعد ذلك قام ممثلو دول الكويت وبولندا والولايات المتحدة بالثناء على الفقيد.
قائد آمن منذ بدايات شبابه بالوطن، وعقد العزم على النهوض بدبي لتصبح لها مكانة خاصة ومتميزة في المنطقة، وعمل بجد لوضع لبنة دبي الحديثة التي لا تلبث تبهر العالم الآن، في عهده تحقق الرخاء، والاستقرار للوطن والمواطن، فكان رائداً من رواد وحدة الإمارات وبناء حضارتها، وأحد العظماء الذين حملوا مشاعل التطور والتقدم والنور، وتغلبوا على التحديات، فترك بصمة واضحة جلية في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، وكان قائداً استثنائياً استشرف مستقبل نهضة دبي، فحقق إنجازات ستبقى خالدة في ذاكرة وطن، تشهد على بصيرته النافذة ورؤيته الثاقبة.

مولده ونشأته

ولد الشيخ راشد الذي حكم إمارة دبي في الفترة من 1958م إلى عام 1990م الذي امتد على مدار 32 عاماً – في دبي عام 1912، ونشأ في منطقة الشندغة بإمارة دبي في كنف والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم المعروف بالتقوى والحكمة وسعة الصدر ورجاحة العقل، ووالدته هي الشيخة حصة بنت المر بن حريز الفلاسي، المعروفة ب (أم دبي) كانت لها مكانة خاصة في قلوب أهل دبي، عُرفت بقوة تحملها وإرادتها العالية وطموحها واشتهرت بكرمها وحبها للخير ومدّ يد العون لكل محتاج، كان تأثير الشيخة حصة واضحاً في شخصية ابنها الشيخ راشد.
تلقى الشيخ راشد دراسته الأولى في الكتاتيب، حيث كانت المنطقة حينها تفتقر إلى وجود المدارس النظامية، وتعلم أصول الفقه الإسلامي واللغة العربية، وعند بداية الدراسة النظامية وافتتاح المدرسة الأحمدية كان الشيخ راشد من أوائل الطلبة الملتحقين بها، ومنذ صغره اتصف بنضجه وفكره السابق لعصره، وعُرف بأنه شابٌّ مثابرٌ ومحبٌّ للبحث والاطلاع، ومن أهم هواياته الصيد بالصقور وركوب الهجن والخيل والرماية.
لقد انخرط في العمل السياسي منذ نعومة أظفاره لكونه الولد الأول للشيخ سعيد «رحمه الله»، إذ ارتبط الشيخ راشد بمجلس أبيه واستفاد منه الكثير؛ إذ تعلم كيفية إدارة المنطقة وتسيير أمورها، وكان مطّلعاً على كل ما يحدث في هذا المجلس ليتعرّف أمور الحكم ويتدرّب على تحمل المسؤولية من بعد والده، وقد عُيّن الشيخ راشد ولياً للعهد عام 1939م، وساند والده في تسيير شؤون المنطقة، وأثبت جدارته في تحمل المسؤولية، واستطاع أن ينهض بدبي من أزمات اقتصادية كثيرة أهمها أزمة انهيار تجارة اللؤلؤ، والحصار البحري الذي فرضته بريطانيا على موانئ الخليج العربي بعد الحرب العالمية الثانية.

مسؤوليات وإنجازات

بعد وفاة والده الشيخ سعيد رحمه الله عام 1958م تولى الشيخ راشد مقاليد الحكم في الرابع من أكتوبر/‏‏‏‏‏‏‏تشرين الأول من نفس العام، بعد أن استمر في ولايته للعهد لمدة عشرين عاماً، فقد انتقل الشيخ راشد مع عائلته للإقامة في قصره بمنطقة زعبيل، وعمل منذ توليه الحكم على وضع حجر الأساس الحقيقي لمدينة دبي الحديثة، واهتم بالعمران والتجارة، واستطاع استغلال كل الإمكانيات لمصلحة بلاده؛ إذ إنه استغلّ النفط في دبي استغلالاً تجاريًّا عام 1966م، فأنشأ دائرة خاصة بشؤون النفط، وبدأت التحولات الحقيقية في حياة دبي، ولتثبيت مركز دبي التجاري، لاسيما أن عوائد البترول حينها كانت لا تفي بالتزامات الإمارة، فاهتم بالأسواق ودعم التجار وشجّع الاستثمار التجاري في الإمارة وخطّط لآفاق بعيدة ورؤى مستقبلية لمدينة دبي، واهتم أيضاً بإنشاء الدوائر التي تقدّم خدماتها للسكان وتساهم في تطوير الإمارة كالبلدية والأراضي، والشرطة والجمارك، والمحاكم والكهرباء والمياه، وغيرها من الدوائر.
وما إن انقضت شهور قليلة من تسلمه زمام الأمور حتى أدرك الشيخ راشد رحمه الله أنه يتوفر في مدينة دبي الإمكانيات والاستعداد الطبيعي ما يجعلها مدينة رائدة، ولتحقيق نظرته الثاقبة كان عليه إنجاز الكثير من المشاريع الطموحة شملت: إنشاء الطرق والجسور التي تربط شطري الإمارة، والقرار العظيم الذي حقق قفزة تجارية نوعية لدبي المتمثل في توسيع الخور عام 1960م، وتعزيز موقع الإمارة التجاري بإنشاء مزيد من الموانئ، فأصبحت دبي مركزاً تجارياً بين الشرق والغرب.

إنشاء شركة الكهرباء

وكان معظم الناس في المدينة يملكون مولدات خاصة بهم، وبالفعل تم إنشاء شركة الكهرباء العامة في 1959 وحصلت دبي على أول إمداد كهربائي في عام 1961. وفي عام 1960 أمر الشيخ راشد بإنشاء شركة التلفون والبرق واللاسلكي جنباً إلى جنب مع شركة كهرباء دبي، وكان يمارس إشرافاً دقيقاً على شركة التلفون باعتباره رئيساً لمجلس إدارتها.
ووضع الشيخ راشد مسألة حل مشكلة الإسكان ضمن أولوياته، فقام بإنشاء دائرة الأراضي والأملاك في 1960 وأسند رئاستها لأكبر أنجاله وهو الشيخ مكتوم بن راشد، وبات الإسكان ضمن المشاريع العديدة التي بدأ العمل بها في دبي.
وفي 1950 افتتح أول مشروع طبي ضخم بتأسيس مستشفى المكتوم الذي يعد أول مستشفى حديث في الإمارات، وكان يتسع ل 38 سريراً، وتوسع في 1968 ليتسع لنحو 109 أسرة.
وفي 1961 أصدر مرسوماً يقضي بإنشاء بلدية دبي، وفي 1962 افتتح أول جسر يربط ديرة ببر دبي (جسر آل مكتوم)، كما قام في 1963 بتأسيس شركة نفط، وتأسيس أول بنك وطني (بنك دبي الوطني المحدود) برأسمال مليون جنيه استرليني.
وتوالت الإنجازات بإنشاء ميناءي: راشد والحمرية والميناء الصناعي في جبل علي وجداف دبي، وفي 30 سبتمبر/‏‏‏‏‏‏‏أيلول 1960 افتتح مطار دبي، وصار مركزًا إقليمياً للطيران العالمي.

استقلال وبناء الاتحاد

وبنى الشيخ راشد علاقات أخوية وثيقة مع حكام العرب والعالم في كافة الظروف والأزمنة، وكان اتحاد الإمارات لبنة من لبنات أفكاره العظام التي امتزجت بطموحات أخيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه».
وكان لمشاركة الشيخ راشد بن سعيد في مجلس الإمارات المتصالحة دور في التمهيد للاتحاد، فقد كان على قناعة حقيقية بأن مستقبل إمارات الساحل المتصالحة سيكون أفضل إذا توحدت وأمسكت هي بزمام الأمور، وعمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، على إقناع حكام الإمارات من أجل إيجاد كيان وحدوي، فكان يعرض خطته على الحكام في اجتماعات ثنائية.
وفي 1965 وبالتعاون مع الشيخ زايد تمكن من عقد اجتماع لحكام الإمارات السبع في قصر الضيافة في دبي، وعمل معه على إصدار وثيقة الوحدة والاتحاد بين دبي وأبوظبي في فبراير/‏‏‏‏‏‏‏شباط 1968.
وفي العاشر من يوليو/‏‏‏‏‏‏‏تموز 1971 وجه الشيخ راشد دعوة من أجل المضي قدمًا على طريق الاتحاد، واستمر في الدفع نحو الاتحاد حتى أعلن عنه رسميًا في الثاني من ديسمبر/‏‏‏‏‏‏‏كانون الأول 1971، حيث تولى منصب نائب رئيس الدولة، إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء.
وفي الثامن عشر من يوليو/‏‏‏‏‏‏‏تموز1971، بعد مرور ثمانية أيام وقع كل من حكام أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة على البيان الرسمي القاضي بتأسيس دولة الإمارات المتحدة، وصادق حكام الإمارات على الدستور المؤقت الذي حدد ملامح الاتحاد، وبموجب الدستور المؤقت تشكل المجلس الأعلى للاتحاد، فتم الإعلان رسمياً عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971.
وأعلن الشيخ راشد في ذلك اليوم بحضور إخوانه حكام الإمارات عن قيام الاتحاد برئاسة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد نائباً له، وذلك في قصر الضيافة بالجميرا، ووجه سموه كلمة عقب الاجتماع الذي تمخض عنه إعلان ولادة دولة الإمارات ألقاها نيابة عنه سمو الشيخ حمدان بن راشد.

المدرسة الأحمدية

أولى رحمه الله للمدرسة الأحمدية اهتماماً خاصاً، وأشرف عليها منذ عام 1954، وقدم الدعم المالي لأبناء دبي الملتحقين بمدارس قطر، وخصص جزءاً من قصره كمدرسة عرفت باسم (السعدية) 1958، ثم افتتحت خلال الأعوام التالية مدارس عديدة منها: خولة بنت الأزور الابتدائية، والخنساء، وآل مكتوم للبنين، والشعب المتوسطة. ووضع، رحمه الله، الواقع الاقتصادي الصعب أمام عينيه، حيث أصدر في 1963 مرسوماً بتأسيس أول بنك وطني، هو بنك دبي الوطني المحدود، برأسمال قدره مليون جنيه إسترليني، بعد أن كانت التعاملات المالية والمصرفية حكراً على المصارف الأجنبية.

التشكيل الوزاري

في الثلاثين من إبريل/‏‏نيسان 1979 قرر المجلس الأعلى للاتحاد تكليف الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بتشكيل مجلس الوزراء الجديد. كما أعلن عقب تشكيل الحكومة في الأول من يوليو 1979 الخطوط العريضة للسياسة التي تنتهجها الحكومة فقال: إنني إذ أقدر ضخامة المسؤولية أرى لزاماً عليّ أمام أهلي وبلدي أن أكون واضحاً بما أنادي به وبما أعتقد أنه كفيل بتحقيق الأهداف التي من أجلها تقبلت حمل الأمانة، إنني والوزراء لا نعد بتحقيق المعجزات.

مواقف سياسية

كان الشيخ راشد بن سعيد رجلاً سياسيًّا، وله علاقات أخوية طيبة مع جميع حكام المنطقة العالم، حيث برزت جهوده الدولية، رحمه الله، بعد توليه منصب نائب رئيس الدولة ورئاسة مجلس الوزراء، فقد حرص على تقوية العلاقات مع دول الخليج، والدول الأخرى، وبرزت اهتماماته في مناقشة قضايا أمته وشعبه العربي والإسلامي، وأبرزها قضية احتلال الجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، أبوموسى) والقضية الفلسطينية والحرب العراقية – الإيرانية، ودعا إلى إنشاء مجلس يضم دول الخليج العربي. والشيخ راشد تميز بمواقفه الوطنية من القضايا العربية، ومن أقواله في ذلك: «سنستمر في تقديم المساعدات للفلسطينيين، لأننا نؤمن بأن قضيتهم عادلة، وهذا من واجبنا».

أحداث وتواريخ

1958

1959

1960 *

1963

1968

1970

1972

1978

1979

رابط المصدر للخبر

عود الحزم


عود الحزم


عود الحزم


عود الحزم


عود الحزم


عود الحزم


عود الحزم


عود الحزم

اترك تعليقاً