أضف الإماراتية بالبلاك بيري PIN:7504162B
الشاعر/ سالم محمد الجمري





نبذة من سيرته



يذكر سالم محمد الجمري في أحاديثه انه من مواليد 1905 تقريبا وهي الفترة التي كان فيها الشيخ مكتوم بن حشر حاكما لإمارة دبي ، لكن تاريخ ميلاده الحقيقي قد يكون في عام 1910 ، وهو التاريخ الأكثر دقة من الواقع ، ولد في عائلة مكونة من ستة أشخاص ، فإلى جانب والده ووالدته ، وأخوه أحمد الذي يكبره سنا وأختان .

وكبر سالم محمد الجمري ، ونشا في كنف والده الذي ألحقه بالكتاتيب كعادة العائلات في تلك الفترة ، حتى يتسنى لأبنائهم أن ينالوا قدا من التعليم والإلمام بالقراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم والحديث والحساب البسيط ، وتتلمذ على يد السيد محمد الشنقيطي ، فتعلم منه القراءة والكتابة والنحو وأصول الفقه ، أسوة بأخيه أحمد الذي نال حظه من التعليم أيضا وأصبح رجل علم ودين ، كما حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ أحمد بن سوقات .

سالم محمد الجمري هو من أحد كبار شعراء النبط المعروفين ويمتاز بكثرة الإنتاج وغزارته ، مع دقة في الأسلوب وجودة في اللفظ ، وخصوبة في الخيال ن وقدرة بارعة في التصوير .


وفــاة زوجتـه


من أشد ما قد يواجه المرء وهو بعيد عن أهله ووطنه ، فقدانه لعزيز ينتظر عودته ، وكان قدر الجمري ان توفيت أولى زوجاته قماشة ، دون أن يكون قريبا منها في ديره .
ويكفي أن يعلم المرء مدى الحزن الذي أصابه عندما بلغه خبر وفاتها وهو هناك ، حين يقرأ القصيدة التي رثاها بها ، يصف حالته بين اللوعة والحزن .. يقول في مطلعها :




كما تلعي زليخه ع الغلام = لعى الجمري على فرقا ضنينه

ولا زاد البكا غير الهيام = ثلاث سنين ما وقف ونينه

سقاه البين كاسات الجمام= حبيب الروح يا خلان وينه ؟




لآلـئ الخليـج


اسم الديوان الوحيد الذي صدر للجمري في حياته ، جمع فيه بعض قصائده ، وطبع في بداية الثمانينات على نفقة قائد النهضة ، ورائد الشعر وعاشقه وقائله ، صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان .

وعند صدور الديوان نفذت جميع نسخه في تلك الفترة ، نظرا لان صدور ديوان لشاعر معروف يعد شيئا فريدا آنذاك ، ولا ننسى دور الشهرة التي وصل إليها الشاعر في تلك الفترة على نطاق ساحة الشعر الشعبي ، في رغبة المهتمين بالشعر في اقتناء ديوانه الذي يعد في وقتنا الحالي من المطبوعات النادرة ، وقلة قليلة هي التي لا تزال تحتفظ بنسخة منه .

وقد صدر هذا الديوان في الحجم العادي للكتب ، واحتوى على (162) قصيدة ، تضمها (212) صفحة ، منها (141) قصيدة لصاحب الديوان ، وما بقي كان لشعراء آخرين وضع الجمري قصائدهم فيه إعجابا منه بهم وبشعرهم .


جوانـب من حياتـه


قد لا يعرف الكثير منا أن سالم الجمري تزوج خلال فترة حياته ثماني عشرة مرة ، رزق من هذه الزيجات جميعها بثلاثة أولاد هم : محمد ، وحمد وعجلان ، إضافة إلى ابنة واحدة .

ومن هواياته الصيد بالصقور ، وهي التي كان يمارسها منذ صغره ، وكان الشعر عشقه الكبير ، وهاجسه الذي لا يفارقه أينما حل ، كان يقول الشعر عندما يختلي بنفسه ، ويتحدث عن تلك الأوقات المفضلة لديه عندما ينظم الشعر فيقول : عندما أختلي بنفسي ليلا أو نهارا في مكان هادئ لا أسمع شيئا غير ترديد أشعاري .

في السادس عشر من ديسمبر عام 1981م كُرَّم الجمري في مهرجان الشعر النبطي الذي أقيم تحت رعاية سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي ، وألقى قصيده في الحكمة والمثل هذا المهرجان ، نظرا لحبه وميله إلى هذا النوع من الشعر .

في عام 1983 توقف الجمري عن الاشتراك في برامج الشعر الشعبي ، وقد كان يمضي أيامه بعد ذلك بين زيارة أصدقائه الشعراء ، والخروج إلى المناطق الصحراوية العذراء ، يتذكر فيها أيامه وسني حياته .


تبقى المرأة عاملاً مؤثراً في شعر سالم الجمري, وبخاصة في مطالع قصائده, فغالبا ما يبتدئ الشاعر قصيدته بكلمات رقيقة جدا يخاطب فيها الطير والهواء وكل معالم الطبيعة عن محبوبته وأصبح رمزاً يعرف به الجمري وان لم يذكر اسمه على القصيدة لكثرة ما أورده في شعره وقلما فعلها من الشعراء غيره, ومن أجمل وأعذب ما قاله مطلعه الشهير:



يا طير سلم ع الحبيب =قله تراني مستصيب
وجروح قلبي ما برت =وانت الدوى وانت الطبيب



ويقول في مكان آخر مخاطبا النسيم العليل:



حي ابنسيم هب من صوب اعربي =نسنس وهيظ مزملي والحاني
وتذكرت نفسي مزار احبيبي =في ليلة يهنى به الولهانِ



ثم نراه في موضع آخر يخاطب العرافين ليرشدوه إلى موضع محبوبته والتي هي بالنسبة له كل الحياة ويقول:



وابرحت ادوّر وانشد أصحاب الودع =ان كان حد اعرف وين امحلته


قالوا غزالك في محلٍ مرتفع =عليك عسره يالمعنى وصلته


قلت اسكتوا عني لعذلكم ما ستمع =والحر كيف يلقا صيدته



وله في هذا الفن أبيات كثيرة, وجل مطالع قصائده هكذا, فعدد القصائد التي يبتدئها مخاطبا الطبيعة عن المرأة التي ينشدها تبلغ ثلثي قصائده والأمثلة كثيرة ولا يتسع الموقف لها.


وقبل النهاية لابد ان تكون هناك بعض الكلمات والتي من خلالها اتمنى ان أكون انصفت ذلك الشاعر الكبير والذي يعد أحد أعمدة الشعر الذي ترتكز عليه الساحة الشعرية في الإمارات الشاعر سالم بن محمد الجمري الذي رحل بجسده وبقي بشعره وأدبه الذي ملأ به الآفاق وأروى الكثير ممن ظمئوا ماء الشعر الجميل والمتين والمرصن, وأكنوا لهذا الشاعر كل الوفاء والتقدير وللمرأة التي عاشت في أعماق سالم الجمري امرأة وحبيبة وفيها قال هذان هذين البيتين اللذين عشقهما كل سامع وإليهما ينتهي فن الجمال الشعري.



أرى الشوق له ذوق يا عاشقين =ومحلا المعاتب بين الثنين
إذا ذاك مغرم وهذا ظنين =عتاب المحبة ترى له حلاه



كما اهدى للمرأة بيتين من الشعر لا يدانيهما أي بيت:



ولولا الحب ما غنى المغني =ولا اشتاقن لصوته مطرباتِ
ولا سجلت للعشاق فني =ولا لانن قلوب السيداتِ


المهيري
03-11-2010, 04:07 PM

هو : سالم بن محمد الجمري العميمي


حياته وقراءة في قصائده :


كانت دبي مع بداية القرن العشرين إمارة من إمارات ساحل عمان ، تعيش عصراً ومرحلة لا يختلفان كثيراً عن مثيلاتها من إمارات الساحل .. بدءا من ظروف الاستعمار البريطاني الذي يستكمل سلسلة إجراءاته وممارسته المختلفة على إمارات الساحل بغية إرساء دعائم سيطرته على المنطقة ، مروراً بظروف الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها سكان المنطقة .

فعلى الجانب السياسي كانت النزاعات بين الإمارات حلقة مستمرة من مسلسل النوايا البريطانية التي كان يهمها بث روح الفرقة والتشتيت بين الإمارات حتى يسهل عليها فرض سياستها وسيطرتها .

أما اقتصادياً فقد كانت دبي في أوائل القرن العشرين تضم مجتمعاً عريق الجذور في صناعتي التجارة وصيد اللؤلؤ ، وكان ميناء دبي يؤدي دوراً كبيراً في الحركة التجارية للإمارة التي ارتبطت تجارتها باللؤلؤ والذهب والأقمشة والعطور والبهارات والأغذية ، وغيرها من أتواع التجارة التي كانت سائدة في تلك الفترة وإن كان اللؤلؤ هو العمود الفقري لهذه التجارة وأحد المصادر الأساسية للنشاط الاقتصادي في المنطقة .
أما على الجانب الاجتماعي فقد كانت الحياة الشظفة والصراع من أجل البقاء هاجساً أرق أغلبية أبناء الخليج لفترة طويلة وكان البحر قبلة للأغلبية منهم فاتجهوا إليه وغاصوا في أعماقه لاستخراج اللؤلؤ مصارعين أمواجه وأهواله ورياحه وأعاصيره ولم يكن لهم مفر منه ولم يتوقعوا ملجأً غيره أو أن تنفصل حياتهم يوماً عنه .

ومع بداية القرن العشرين وتحديداً في العقد الأول منه شهدت دبي مولد شاعرنا سالم بن محمد بن سالم الجمري العميمي ، الذي ينتسب إلى آل بوعميم وهم قبيلة من حلف بني ياس .

ديرة ... (1910) .

مع بدايات هذا القرن لم تكن شهادات الميلاد قد عرفت بين الناس في المنطقة وكان تاريخ ميلاد الشخص يربط بحادثة معينة في تلك الفترة ، أو يقدر بسنة أو فترة من الزمن ذات ذكرى معينة عند الناس ، والجمري كما يذكر دائماً في أحاديثه ومقابلاته – تقديراً لا تحديداً - أنه من مواليد 1905 وهي الفترة التي كان الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم ( 1894-1906) حاكما لإمارة دبي .

لكن تاريخ ميلاده الحقيقي قد يكون بعد هذه السنة بخمس سنوات ، وتحديداً في ديسمبر 1910وهو التاريخ الأكثر دقة وقرباً إلى الواقع ، بدليل كلام الجمري نفسه ، الذي يقول ابنه الأصغر عجلان ، أقرب أبناء الجمري إليه في أثناء حياته : (( أخبرني والدي أنه ولد في ليلة الإنجليز )) .

وليلة الإنجليز أو حادث دبي تسمية أطلقها أهل دبي على الليلة التي ضربت فيها قوات إنجليزية بمساندة المدمرة البحرية ( Haycinth) هاينست ، بقيادة ملازم إنجليزي اسمه ( دوك ) ساحل ديرة وأطلقت نيران مدافعها على دبي لتصيب بعض المنازل ، بينما بدأت سرية مشاة نظامية من مائة جندي وضابط بالنزول على سواحل دبي .
وقصة تلك الحادثة أنه في بداية القرن العشرين ساد ساحل عمان الخليج استياء عام من البريطانيين بعدما أيقن العرب وأهل دبي خاصة أن منع بريطانيا تجارة السلاح في ميناء دبي ليس إلا سهماً موجهاً لهم ولمقاومتهم الاحتلال .

لذلك فقد تفنن سكان دبي في طرق إدخال الأسلحة التي كانت إحدى سبلهم لمقاومة الإنجليز ، وفي المقابل باءت المحاولات البريطانية المحاصرة محاولات إدخال الأسلحة إلى داخل دبي بالإخفاق ، وكان الإدخال يتم عن طريق الإبل والقوافل ، أو عن طريق السفن والموانئ ، أي براً وبحراً .

ولما انتهى إلى مسامع الإنجليز خبر وصول شحنة من الأسلحة ( 400 بندقية حديثة) ، إلى دبي عن طريق التهريب من إيران وقطر ، طلبوا من حاكم دبي في تلك الفترة الشيخ بطي بن سهيل بن مكتوم ( 1906-1912 ) السماح لهم بتفتيش بيوت عدد من المواطنين الذين يشتبه بمشاركتهم في عملية إدخال الأسلحة وتخزينها عندهم ، إلا أن الشيخ بطي بن سهيل بن مكتوم رفض ذلك ، مما حدا بالإنجليز إلى التدخل العسكري عن طريق ضرب ساحل دبي وإنزال سرية من الجنود على الساحل .

وعلى صوت انفجار القنابل داخل دبي خرج الأهالي لمقاومة الجنود الإنجليز لما لديهم من سلاح ، واستمر القتال بين الطرفين لتكون خسائر الطرفين كبيرة من القتلى والجرحى ، وقد اختلفت الروايات حول عددهم ، إلا أن الرواية الأقرب للدقة تقول : إن المحصلة كانت 10 قتلى من العرب وثلاثين من الإنجليز .

وهذه الحادثة وقعت في فجر 24/12/1910 ، وفي هذه الليلة التي سميت فيما بعد ليلة الإنجليز ولد سالم الجمري في عائلة أصبحت مكونة من ستة أفراد ، فإلى جانب والده ووالدته ، هناك أخوه أحمد الذي كان يكبره سناً وأختاه .

وفي رواية وحيدة حصلت عليها من لقاء الجمري في برنامج ( شاعر من بلادي ) وهي رواية لم أجد من يؤكدها من أقربائه أو أصدقاه يقول : (( إنه بعد ولادته بفترة قصيرة رحلت عائلته إلى إمارة الشارقة نظراً لظروف الحياة الصعبة ، ومكثت فيها ثلاث سنوات ، لكن الحنين عادهم مرة أخرى إلى دبي ، ليستقروا فيها من جديد )) .

وكبر الصبي سالم ... ونشأ في كنف والده محمد الذي ألحقه بالكتاتيب كعادة العائلات في تلك الفترة ، حتى يتسنى لأبنائهم أن ينالوا قدراً من التعليم والإلمام بالقراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم والحديث والحساب البسيط .

وفي دبي كان هناك عدد من المطاوعة والكتاتيب المشهورين ، أمثال أحمد بن دلموك والسيد محمد الشنقيطي ، وعلى يد الأخير تتلمذ شاعرينا سالم الجمري ، فتعلم منه القراءة والكتابة والنحو وأصول الفقه ، أسوة بأخيه أحمد الذي نال حظه من التعليم أيضاً وأصبح رجل علم ودين فيما بعد ، كما حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ أحمد بن سوقات .

في تلك الفترة كان الأطفال يتحملون مسؤولية أسرهم مع أهليهم ، خاصة مع رب الأسرة الذي كان يعمل ويعود أبناءه العمل منذ صغرهم ، وكان الكثير من الآباء الغواصين يحملون معهم أطفالهم ممن هم دون سن العاشرة على ظهر السفينة وذلك من أجل تأهيلهم مبكراً للعمل ، وربطهم بوجه خاص بالبحر .

ومن هؤلاء كان الجمري الذي ارتبط بالبحر وهو طفل لم يتعد عشر السنوات / عندما اصطحبه والده الذي كان يمتهن حرفة الغوص مع أخيه أحمد ، ولما كانت سنه لا يسمح بالغوص ، فقد انحصر عمله في خدمة النوخذة والغواصين والمساعدة على فلق المحار الذي كان يجمعه الغواصون ، وهو ما يطلق عليه في عالم الغوص اسم (( الجلاس )) أو (( التباب )) أو (( الوليد )) .

وهكذا نجد أن أفراد عائلة الجمري ارتبطوا بالبحر والغوص ارتباطاً وثيقاً .
وتمر السنوات ، وينضج الفتى ليصبح بمقدوره الغوص كباقي رجال السفينة والغواصين للبحث عن اللؤلؤ ، وأصبح الجمري غيصاً في الخامسة عشرة من عمره ، وهي السن ذاتها التي بدأت فيها شمس الشعر تشرق على أرض مخيلته ، وكيف لا تشرق وجده وخاله كانا شاعرين معروفين .

كان لمجالسته كبار شعراء عصره منذ صغره دور كبير في صقل موهبته التي برزت في سنه تلك ، فتفتحت آذانه على قصائدهم ، إضافة إلى ولعه وإعجابه بقصائد شاعر الإمارات الكبير الماجدي بن ظاهر الذي يعده قمة الشعر الشعبي في الإمارات ، يقول : (( منذ كنت في الخامسة عشر من عمري كان معي شعراء كبار أجالسهم وأسمع لهم مثل : ابن زبيد ، أبوسنيدة ، ابن يدعوه )) .

ويستطرد الجمري .. (( الشعر الماجدي بن ظاهر ظاهرة لا تتكرر ، معلم هؤلاء الذين ذكرت ، وهو شاعري المفضل دون منازع ..)) .

ونجد في إحدى قصائده أبياتاً تدل على إعجابه وتأثره بقصائد الماجدي بن ظاهر فيقول :


أنا لقيت أوصاف ناس قبلنا .. أمثال بن ظاهر وقول الهاملي



يتبع


المهيري
03-12-2010, 10:44 AM

ويذكر أحد أقاربه حادثة التقاء الجمري بالشاعر المعروف مبارك بن حمد العقيلي ( 1882-1954) عندما كان في بداياته الشعرية.

والقصة أن الجمري كان ينتقل بواسطة العبرة بين ديرة وبر دبي ، كان يترنم بصوته أبياتاً من تأليفه وهو ما نطلق عليه اسم ((الشلة)) في اللهجة المحلية لأبناء الإمارات ، حيث يلحن الشخص القصيدة ويغنيها بصوته ، فسمعه أحمد مرافقيه في العبرة ، فلما انتهى من غنائه سأله :

-ابن من أنت ؟

قال :

-ابن الجمري .

فرد مرافقه :

سوف يكون لك مستقبل كبير في الشعر .

ولم يكن الجمري يعلم أن هذا الذي تنبأ له الشاعر مبارك بن حمد العقيلي .. هذا الشاعر الذي كان سمع عنه ويحفظ قصائده دون أن يعرفه شخصياً .

وكان حدث العقيلي صادقاً .

الخطيبي ... بوعلي

استمر الشاعر الغيص سالم الجمري في علاقته بالبحر واللؤلؤ ردحاً من الزمن وفي منصف الثلاثينات توفي والده محمد بن سالم ، وليبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة في حياته ، اعتمد فيها على نفسه بشكل أكبر ، وهو يذكر عدد مرات ذهابه إلى الغوص فيقول (( إنها سبع عشرة مرة )) خلال حياته .

وفي إطار علاقته بالغوص وأهواله ، يؤرخ لنا في إحدى قصائده حادثة صديقه الخطيبي ( بوعلي ) مع البحر ، التي كانت سبباً في قصيدته الرثائية فيه .

واختلفت الروايات حول قصة الخطيبي ((بوعلي)) ، والحادثة الحقيقية لقصته ، وسأحاول فيما يأتي سرد الواقعة بما اتفق عليه أغلب الرواة لها .

تقول الرواية : إن علاقة وطيدة ربطت بين أفراد جماعة من الأشخاص تضم سالم الجمري ، ومحمد بن علي الخطيبي الملقب بالخيطبي ( بوعلي) ، والشاعر علي بن شمسة والشاعر علي بن قمبر ، وعلي بن بطي الظفري ... يقول الجمري عن (( الخطيبي )) : (( كان ذا صوت شجي ، وفي كل يوم كنا نجتمع في أحد بيوت الأصدقاء ، وكانت تلك المجامع التي تجمعنا تسمى (( المرامس)) وقد كنا نؤلف أنا ومحمد بن علي الخطيبي ثنائياً جذاباً يحيي ليلي السامرين ، وكنت أقول الشعر وهو يلحنه ويغنيه في حينه )) .

ولم يكن ((الخطيبي)) شاعراً بل كان راوياً للشعر ، وذهب مرة إلى الغوص في أحد المواسم ، وحدث بينه وبين نوخذة السفينة التي يركبها خلاف دفعه إلى الخروج من السفينة ، كان له ما أراد إذ ترك السفينة ليلاً ، ونزل البحر بحثاً عن سفينة أخرى .

ولكنه لم يعرف له أثر منذ ذلك النزول ، وربما كان البحر قد ابتلعه .
وعند عودة السفينة التي كان ستقلها بخبر اختفائه ، عم الحزن الشديد أصدقاءه ، وبدأت بينهم سلسلة من المراثي الشعرية في صديقهم محمد بن علي الخطيبي .

ومن قليل ما وصلنا من هذه المراثي ، قصيدة الشاعر علي بن بطي الظفري الذي يقول في بدايتها :



سأل النظير وسألني مــــن سالي =عما جرى لي ياملا في حــالي
افضيت له ســـــد الكنين وبيحت= نفسي بخافيها وقلت أمثــــالي
وأميست أجاسي وسط نارتشتعل= لاهوبها بأقصى الحشا شعالي




أما الجمري ، فقد كانت له مرثية مؤثرة ، صور فيها حالته النفسية فقد أحمد أعز أصدقائه ، ورد عليها بعد زميله الشاعر علي بن قمبر ، يقول فيها :




البارحــــة ماذال جفني يـــا ((علي)) =من زود لاهوب يشب ويشعلي
بأقصى الضمير وطول ليلي ما خفت= يلين عاينت الصباح المقبلي
وانا على نـــــــــــــــار الوقايـد كنني= لاتنطفي عني ولاتتبدلي
مــــن هاجس بأقصى الضمير وليعة= بين الأضالع بالفواد اتشاعلي
منهــــــــــا صبي العين هلت عبرته= وصف الصميل أوكالغياث الوابلي
حتى نحــــــــــــل حالي وكاتم علتي= واللي يرى حالي يظن أني خلي
رشد الكمال وضاع ، تمييزي زهــد= من عقب مانا قبل هذا كاملي
لي من ذكرت أيــــام دنيا كد مضت= هاج الاسف وزهدت عصري الداخلي
بأسباب هــــــذا خفت خونات الدهر= وأيقنت أن المستخر كالأولى
لو هــــــو تزخرف لك بلذات الصفا= وأسقاك من صافي شراب السلسلي .
لابد ما يرويك في تالي الأمر= خبث ويدعى صاحبه متغربلي
كم من عزيز عاش في طرق العلا= وارماه من بعد العلا في السافلي
وبه الغرور اللي شمج به واجتهد= به فاز طمع مادرى بالحاصلي
وين الملوك أهل السخاوة والفخر ؟= واهل العطايا والقروم النفي
وأهل المرا في زي غيات الهوى= محسن وغيلان .. وزيد الجاهلي
راحوا وباقي في الحكايا ذكرهم= ومن عرضهم صار الخطيبي بوعلي
أمسى غريقٍ في الجيج مظلمة= وارماه ضيم الدهر يوم أنه بلي
وآعز تالي .. والفقيد .. والأسف= وآمشمعي .. هيهات مثله بحصلي
ياواعزيز النفس واراعي السخا= ياوانديمي لي عطيته قابلي
حزني عليه بحزن يعقوب على= يوسف ودمعي من نظيري سايلي
لاربح الله من تسبب له عسى= يعطى كتابه عن يمينه مشملي
والحر لي من الحبايل صادته= مله فكاك ولامفر ولاحولي
لي مامعه جند يدافع به إذا= ضامه زمان ، أو ضد خصم الدولي
يبلغ مراده لي تمنى مطلبه= وإفيبرح كاليتيم الجاهلي
هذه حياة مابها إلا الشقا= والمرء لي طالت حياته ير ذلي
والأجل محتوم بيوم وساعة =لايستخر عنها ولايستعجلي
وارى الحياة إلاطريق مستمر= يقصاه قصاد الميسير ويوصلي
ولآشوف ذي دنيا تشابه عبرةً= يعلا بها هذا وذلك محولي
كم غثبرت من خيرين وهدمت= قصر علي ، وساعدت للأسفلي
فيها السياسة والخديعة والحيل= ياما طوت من شبر سبع طايلي
ياماغدرت سلمى بناس قبلنا= منهم مطيع وبعض فيهم مايلي
هذي وصاتي للقلوب الواعية= واخذوا وصاتي لاترون إلى عملي
أنا لقيت أوصاف ناس قبلنا= أمثال بن ظاهر وقول الهاملي
يتلونها بعض الرواة وقلت ما =هذا ، فقال إلا كتاب نازلي
هم قيسوا الأشيا وأنا من بعدهم =أمثالهم قبلي ، وقولي يتلي





يتبع


المهيري
03-12-2010, 11:01 AM

الدانة


مع مرور الوقت واستمرار علاقة الجمري بالغوص ، تحسنت أحواله ، واستطاع أن يستأجر سفينة يكون هو نوخذتها ، يشق بها عباب البحر بحثاً عن اللؤلؤ مصدر الرزق الأول ، وفي إحدى رحلاته كانت له قصة مع الدانة .

هي رحلة من رحلات الغوص المعتادة التي تمتد عادة من شهر يونيو إلى شهر أكتوبر يبقى خلالها الغواصون فر عرض البحر أربعة أشهر متواصلة دون عودة إلى اليابسة ، وفي آخر أيام إحدى تلك الرحلات التي خاضها وكان نوخذة فيها وصاحب محمل ، لم يكن المحصول من اللؤلؤ المستخرج وافر كعادته ، بل كان قليلاً مقابل المصاريف الكثيرة التي تتطلبها الرحلة الواحدة .

ولم يكن أمامه سوى العودة بالمحصول ، لكنه وفي اليوم الأخير الذي سبق العودة ، وبينما كان الغاصة ومعهم النوخذة يفلقون حصيلتهم من المحار ، بقيت في يده محارة أخيرة لم يفلقها ، فاستعجله أحد الغاصة ليفلقها ، فرد عليه ، ولم الاستعجال ؟ لقد فلقنا معظم المحار وكان خالياً ، فهل سنغتني من وراء المحارة؟

ثم فلق الجمري المحارة ليجد في داخلها دانة كبيرة الحجم ، كنت تعد في حد ذاتها ثروة كبيرة آنذاك ، إذ كان سعر الدانة الكبيرة يصل إلى خمسين ألف روبية ، قد ينزل في أيام الكساد إلى ثمانية آلاف روبية .

وطلب من الغواصين التكتم على أمر الدانة حتى يتسنى له الحصول على أعلى سعر فيها بعد العودة ، ليسدد بثمنها مصاريف الرحلة من إيجار السفينة وأجور الغواصين ، لكن الخبر سرعان ما انتشر بمجرد العودة !

(( محمد بن أحمد دلموك )) ... أحد أكبر تجار دبي في تلك الفترة ، والمشرف على مدرسة الأحمدية في دبي التي أسسها والده أحمد بن دلموك كان أول من علم بقصة الدانو ، فتوجه إلى الجمري ليلاً وطرق بابه ، ليفاجأ الأخير به واقفاً أمامه ، حينها تيقن في قرار نفسه أن الخبر قد تسرب وانتشر ، وأن ابن دلموك قد جاء من أجل شراء الدانة .

ولم يكن أمامه سوى دعوته للدخول ، ودل ابن دلموك بيت شاعرنا وسأله عن الدانة ، كما طلب منه رؤيتها ، بعد أن رآها سأله :

- كم تريد السعر فيها ؟

- عشرين ألف روبية .

- هي في نظري لا تساوي أكثر من عشرة آلاف روبية .

- وأنا لن أبيع بهذا السعر .

عندما أمسك ابن دلموك بالدانة التي كانت في يده ، وفتح يد الجمري ليضعها فيها ، ورد عليه

قائلاً : وهي لا تساوي في نظري أكثر من ذلك .

ثم قام متوجهاً بالخروج ، وفي لحظة تحكه كان الجمري يتساءل في نفسه .. (( إذا كان ابن دلموك قد دفع عشرة آلاف روبية ، وهو من كبار التجارة في دبي ، فمن الذي يستطيع أن يزيد عليه ويدافع أكثر منه ؟)) .

وقام / ولحق بابن دلموك قبل أن يخرج باب بيته ، وقال له : بفتك بعشرة آلاف روبية )) .
عشرة آلاف روبية لم تكن مبلغاً بسيطاً آنذاك ، بل هي بداية جيدة لتجار مبتدئ في بيع اللؤلؤ ، وقد كانت هذه هي البداية الحقيقية بأن تحسن أحوال الجمري الاقتصادية فيما بعد .

واستمرت علاقة الجمري بالغوص سبع عشرة سنة ، عانى خلالها الكثير ، وأخذ البحر منه جهداً ووقتاً ، وأثر فيه تأثيراً كبيراً ، حتى إن ذكريات هذه المرحلة ظلت مطبوعة في ذاكرته إلى آخر أيام حياته ، لا تفارقه أبداً ، وقد وصف أيام تلك المرحلة في قصيدته التي قالها قبل وفاته :




وكم غصت بحر لجته دية انجوم =اجني من اللولو رفيع المساما
ولاهمني بحر وبرد ولاغيوم= لو كان غمق مثل غبة سلاما



ومع نهاية الثلاثينات ترك الجمري منطقة ديرة التي عاش فيها أغلب فترات حياته السابقة ، وانتقل إلى الشارقة ليستقر فيها ، ويتنقل بينها بينها وبين الحيرة وعجمان ، ومما استطعت الحصول عليه من معلومات عن تلك الفترة بعض المساجلات الشعرية بينه وبين زميله الشاعر علي بن بطي الظفري الذي كان يعيش في دبي ، وكانت هذه المساجلات أقرب إلى الدعابة بينهما ، إذ كان
الجمري يمتدح الشارقة ويذكر سعة العيش فيها تقول :




في الشارقة أنا صرت ملاك= والله عطاني جنة الحور
وانهــــــار تسقيني بالأفلاك= أقطف ثمر من لب لغدور
أنا مسايه هــــــوب ممساك= أنا مسايه في أم خنور



ويرد عليه صديقه علي الظفري ممتدحاً دبي:




خسران مصباحك وممساك= لي عدت لا زاير ولا أزور
والا أنا في عــــــــز مولاك= أصبح وأمسي زين لخصور
بوحاجبين وطــــــرف فتاك= من ورد خد وفوع بلور



واستمرت فترة بقائه في الشرقة سبع سنوات كاملة ، لكنه ما لبث أن عاد إلى دبي في عام 1946م .

وبعد عودته إلى دبي في تلك السنة تعرف إلى أحد أوائل رواد الأغنية الشعبية الإماراتية المطرب حارب حسن الذي عاش جزءاً كبيراً من حياته في دولة البحرين .

يقول حارب حسن :(( تعرفت إلى الجمري في الأربعينات ، في أثناء الحرب العالمية الثانية ، كنت حينها مولعاً بالغناء ( السجع ) ، ولم أكن يومها قد تعلمت عزف العود ، وكان معنا من الأصدقاء زعل بن ذيب ، وكنا نجتمع نحن الثلاثة في منطقة سكة الخيل في دبي ، وتحديداً بعد صلاة العشاء ، حيث كان الجمري يسمعنا قصائده وكنا نلحنها بأصواتنا ، ونتسامر )) .

وحارب حسن سافر في السنة ذاتها إلى البحرين بحثاً عن مصدر للرزق وكان عمره حينها عشرين سنة ، فتعلم هناك عزف العود وهو ابن خمس وعشرون سنة كما عمل نجاراً بدائرة الأشغال في البحرين ، ورغم بعد المسافة بينهما فإن الاتصال ظل قائماً بينهما ، وكان الجمري بزور حارب بين الحين والآخر في البحرين .. (( كنا نتواصل فقد كان يزورني في البحرين أحياناً )) .

الجمري هو الآخر لم ينقطع خلال تلك الفترة عن البحر واللؤلؤ ، ولم يفضل تلك العلاقة سوى

المرحلة الانتقالية التي شهدتها منطقة الخليج ، خاصة في الإمارات ومنطقة ساحل عمان .

الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين


يتبع


المهيري
03-12-2010, 11:13 AM

كساد اللؤلؤ

كان اللؤلؤ الصناعي قد اكتشف في العقد الثاني من القرن العشرين ، وبدأ اللؤلؤ الطبيعي يفقد قيمته السوقية شيئاً فشيئاً ، فبدأت أسعاره بالهبوط والانهيار حتى وصل إلى أقل أثمانه في أواخر الأربعينات من هذا لقرن ، ففقد الأغلبية من أبناء الخليج مصدر مصدر الرزق الأساسية ووجدت الكثير من الأيدي العاملة نفسها عاطلة فجأة بعد أن كانت تغوص على اللؤلؤ .

وكانت الحرب العالمية الثانية ( 1939-1945 ) وما ترتب عليها من آثار اقتصادية سبباً في حدوث أزمة اقتصادية عالمية وصلت في تأثيرها إلى المنطقة الخليجية ، فتوقفت الأسفار أو كادت ، وكسد اقتصاد المنطقة بأسرها ، وتوقف الاستيراد بمعناه الواسع ، لترتفع أسعار المواد والسلع الضرورية ارتفاعاً فاحشاً ، ويصبح توفرها بين الناس أمراً عسيراً .

وهكذا وجد العامة من الناس أنفسهم بين مطرقة وسندان ، كساد اللؤلؤ والبطالة ، أو تدهور أوضاع المعيشة والغلاء الفاحش وندرة الموارد الغذائية .

وكانت رحمة الله عليه حاضرة ، إذ جاء اكتشاف النفط في الخليج وتفقه بشكل تجاري كبير مع نهاية الأربعينات في الكويت ثم في البحرين والسعودية مصدراً جديداً للعمل والرزق ، وكان لابد للحياة أن تتغير مع هذه الإكتشافات .

وعندما كثر الطلب على الأيدي العاملة ، شد الأغلبية من أبناء الإمارات الرحيل نحو الكويت وقطر والسعودية رغبة في العمل ، تاركين خلفهم ابناءاً وأهلاً من أجل توفير لقمة عيش لهم ، ويمكن القول إن 80% ممن كانوا يعملون في اللؤلؤ والتجارة سابقاً هاجروا للعمل في الكويت والسعودية وقطر ، خاصة الكويت التي كانت البكر في اكتشاف النفط وتصديره ، واحتضنت المثير من أبناء الخليج ، وكانت مصدراً جيداً لرزقهم وتحسين أحوالهم المعيشية في بلادهم .

ولم يكن أمام الجمري سوى السفر أسوة بغيره من سكان الساحل ، فكانت الكويت وجهته الأولى ، فسافر إليها بحراً مع عدد من أصدقائه .

عمل الجمري في منطقة الأحمدي البترولية ، والمناطق التابعة لها مثل وارة وبرقان ، حيث كانت الأولى غنية بالنفط ومسرحاً لعمل عظم أبناء الخليج ، وواجهة الصناعات البترولية في الكويت ، أما عن عمله هناك فقد اختلفت الروايات حوله ، وهناك روايتان : الأولى تقول أنه عمل في النقل والبناء ، وهو أمر محتمل ، ودليل ذلك قوله في قصيدته المشهورة التي نظمها قبل خروجه من الكويت :


ما حيدني في دبي شليت= بواردي ومربع امتان


واليواردي والمربع هي الأعمدة الخشبية التي تستخدم عادة في البناء

كما يقول في قصيدة أخرى لم نحصل منها إلا على ثلاثة أبيات :



م الأحمدي لي واره =صبح وعصر طروق
راكب على السيارة= وآحمل الطابوق
والماء في مطاره= حلو لذيذ الذوق



وهنا يشير إلى منطقتين عمل فيها ، هما الأحمدي ووارة ، كما يشير إلى الطابوق الذي يستخدم في البناء ، والمطارة التي يحملها العمال معهم للشرب .

ومن هذه الرواية وأبياتها يمكن الاستدلال على أنه عمل في مجال البناء ، أو حمل معدات البناء ونقلها ، مما أصابه الإرهاق وعجل بخروجه من الكويت .

أما الرواية الثانية حول عمله ، فتشير إلى أنه عمل في وظيفة إدارية ذات طابع كتابي ، نظراً لإلمامه بالقراءة والكتابة ، و هذه الرواية جاءت على لسان الشاعر سلطان بالغالية العامري ، الذي عمل في دولة الكويت في تلك الفترة .

وقد اقتصرت فترة عمل الجمري في الكويت على مدة لا تزيد على السنتين إذ لم يستطع الاستمرار فيها أكثر من ذلك ، فقرر الرحيل.

ولا يمكننا الجزم بسبب محدد لرحيله ، إلا أن الروايات تقول سبب رفضه البقاء يعود إلى سوء حالته النفسية نتيجة بعده عن أهله وبلده ، إذ كانت أول تجربة له في العمل خارج دبي ، كما يمكن القول إن طبيعة عمله البعيدة عن التجمعات المدنية كالتي اعتادها في دبي ربما كانت سبباً في ذلك ، وربما كان عمله في مجال البناء ومشاق هذه المهنة سبباً آخر يمكن إضافته للأسباب السابقة التي عجلت بخروجه .

ولهذه الأسباب ، وبرما لغيرها قرر مغادرة الكويت والبحث عن مكان آخر يعمل فيه .

وعندما غادرها خرج منها بقصيدته المشهورة التي يندب فيها حظه ويصف حالة فيقول :



لولي بخـــــت ماسرت لكويت =ولابعد غادرت الأوطان .
أسميـــــــــــك ياحظي ترديت= إبعدتني عن ساحل عمان
إبلا ة ليـــــــــف القلب تميت= مستوحش روحي وحيران
إمن الحســــــايف قلت يليت= الهم يسلب حال الانسان
إذا ذكرت الـــــــــولف ونيت= خرت دموعي فوق الاوجان
من بعد كيف وانس ومبيت= ومنادمة مدعوج الاعيان
اليوم حــــــــــالى فى تشتيت= فى الاحمدى وواره وبرقان
من ذى الحياه أولى ليه ميت= من دون خلاني وندمان




وقد رد عليه الشاعر ياقوت بن جمعه – الذي كان معه في الكويت حيث لم يعجبه ما قاله الجمري

بقصيدة دالع فيها عن العمل في الكويت ، قال فيها :




حي يمقالك والتباييت= نظم مفرد لي بميزان
أو عد ما تنعت مناعيت= شرت يميلي شرع الأسفان
أو عد مانبت وحصل شيت= من زود مبروكات الألوان
واجب وافي يوم وافيت= كني محصل ملك نجران
عساك بالجمري تعافيت= حتى إتحكى بصدق واذهان
وإلا فأنا ماني إحتديت= ولابفني ظالم إنسان
لو مقزر عتادك وشديت= في دارنا بيصور لك شان
إمن الفقر أولى التشتيت= تصبح تقاسي هم وأحزان
واليوم مسعاك كديت= وردت دشن غالي أثمان
ولافخر فيك وتخرفيت =والأكبر وهيام طهيان
لاتقول ياحظي ترديت= إتبع نصيبك وين ماكان
عامت في دكان وإثريت= وأفلست من كاسات وإمنان
وأنا شراتك كم مديت= ياما وصلت بيك واسنان
ولاشكيت الحال وأفضيت =وأدعي لحصة سبع الأجنان
لوما الكويت إن كان وليت= في الوصل بايضربيك إعلان
أخطيت يالشاعر وزليت= إقبض سنادك خط ربان
هذا وتم القول واكفيت= نهديك يالشاعر بالإحسان
صلاة رب العرش والبيت= على النبي الطاهر العدنان .



وما كان الجمري إلا أن دافع عن قصيدته بقصيدة جديدة قال فيها :



عرضتني من دون تثبيت =ملحظ ومنطق لسان
وإلا بدرب الحق ما جيت =بينك وبين الحق شتان
نلت الأثم بالعز سويت= تكفى ولم تغلب على شان
عاتبتني من عتب لكويت= بدون عرف وغير برهان
عطني على فن المدح صيت =وإلا فأنا ما شوف ميدان
لاكلت قوت ولاتعنيت= أسميك في دنياك خسران
عقب التمدن والزقريت= توقد على قدرك بليحان
لفاك عيد ةما تفهويت= ما حيد حد عطاك فنجان
دبي فيها عشت وأبهيت= إنته وأنا حتى هل الخان
ماحيدني في دبي شليت =يوادري ومربع أمتان
مستانس من بيت لي بيت= أصبح وأماسي دعج الأعيان
وأنته جحدت الزين وإنسيت= فضل الملوك للي لهم شان
ماتحيد لين البدع زريت =ما بين خود وروض بستان
فيهم حسنت الظن وأعطيت= غيرك يساوي خري نيطان
وإن كان عن ديرة تعزيت= غيرك عليها صار شفقان
لاتلومني لي قلت (م)إسليت= حسب الوطن من بعض الإيمان
واشره عليه كان رديت= هذا وتم القول يافلان.




وغير هذه القصائد لم نجد أو نتوصل إلى قصائد أخرى قالها في أثناء عمله في الكويت لها علاقة بذلك .



يتبع


المهيري
03-12-2010, 11:43 AM

بعد مغادرة الجمري الكويت ، عاد إلى دبي ، ثم ذهب إلى السعودية عن طريق البحر مع جمع من أصحابه للبحث من جديد عن عمل له ، وكان ذلك في عام 1952م تقريباً .

وعند وصوله بدأ البحث عن عمل ، وبينما هو كذلك ، إذ شاهد عدداً من كتاب العرائض والشكاوى ، وه أشخاص مهنتهم كتابة طلبات الناس وشكاويهم في عرائض أوراق ترفق معها صورة الشخص صاحب العريضة ، ثم ترفع إلى المسؤولين للنظر فيها .. وفكر الجمري .. لم لا يجرب حظه في هذه المهنة ؟خاصة أنه يقرأ ويكتب ، وفلاً كان للجمري ما فكر فيه ، وتحقق له .

وأصبح شاعرنا كاتباً للعرائض والطلبات ، ثم تنبه بعد ذلك إلى التصوري ، وأهميته ، فقد كانت صورة الشخص صاحب العريضة ضرورية في العريضة ، لذلك سأل نفسه أيضاً : لم لا يتعلم التصوير ؟

توجه الجمري إلى أحد المصورين هناك ، فسأله عن كيفية التصوير ومستلزماته ، ولما عرف منه أراد سافر فوراً إلى البحرين ليتعلم فيها التصوير والتحميض ، ثم عاد منها بآلتي تصوير ، واستأجر محلاً للتصوير في الدمام ، احترف فيه مهنتي التصوير والكتابة ، وكان معه في الدمام صديقه المطرب الإمارتي محمد سهيل الذي كان يملك إلى جواره محل تسجيلات غنائية اسمه (( اسطوانات سهيل )) .

كان الجمري يجلب معدات التصوير من أفلام وأدوات تحميض من منطقة الخبر ، وخلال تردده إلى هناك تعرف إلى شعار منطقة الإحساء اسمه إبراهيم بن دعلوج ، وكان لإبن دعلوج محلاً في الخبر ، يتوقف عند الجمري ليجلس ويستمع منه لقصائد شعراء من شبه الجزيرة العربية .

ووجه الجمري بعد فترة من معرفته بإبن دعلوج قصيدة شكوى له من أبياتها :



منصاك بن دعلوج ياطيب الفال= خصة سلامي عد نشر المكاتيب



ولم يرد عليه إبن دعلوج على قصيدة الجمري ، لكنه إرسل له قصيدة خاطبة فيها قائلاً :



بديت بمنزل القــــــدر= ومنزل سورة الفجر
وبالشفـــــــع وبالوتر= وبالليل إذ يسري
أسآله صاحب القدر= إلهي كاشف الضر
يروف بحال من حاله= نحيل الهوى مبري



إلى أن قال :


أنا بشكي على من لي= مودٍ دايمٍ الدهري
صديقي شَِهم بومحمد= نديمي سالمِ الجمري



ورد عليه الجمري بقصيدة بدأها بقوله :



نديبي قــــرب المبريِ= وقرب طرس مع حبري
بخط أبيات الأشعاري= سريع ساقهن فكري



إلى أن يقول :



إبن دعلوج يشكي لي= ويعزي سالم الجمري
ويشرح صد مضنونه =ويعني العطف والهجري




وهذه القصائد هي التي تم ذكرها وتدوينها مما قاله الجمري في أثناء وجوده في المملكة العربية السعودية ، وإضافة إلى قصيدته التي قالها رثاءً في زوجته التي توفيت في دبي وهو بعيد عنها ، لم
نجد أو نتوقف عند أية قصيدة أخرى قالها في أثناء وجود هناك .

وفاة زوجته

من أشد ما قد يواجه المرء وهو بعيد عن أهله ووطنه ، فقدانه لعزيز ينتظر عدوته ، وكان قدر الجمري أن توفيت أولى زوجاته قماشة ، دون أن يكون قريباً منها في ديرة .

ويكفي أن يعلم المرء مدى الحزن الذي أصابه عندما بلغه خبر وفاتها وهو هناك ، حين يقرأ القصيدة التي رثاها بها ، يصف حالته بين اللوعة والحون .. يقول :



لعى الجمري على فرقا ضنينه= كما تلعي زليخة ع الغلام
ثلاث سنين ماوقف ونينه= ولازاد البكا غير الهيام
حبيب الروح ياخلانه وينه؟= سقاه البين كاسات الحمام
وفرق يا مـــــــلا بيني وبينه= وخلاني كما طفل هيام
يلومني ونفسي مستهينة= حزين القلب زايد بي غرامي
على من وسدوا راسه يمينه= وأنا ما عاد ودعته سلامي
حبيبي مثل عين الريم عينه= وحبيبي فوق خدينه وشام
وحبيبي من حسن لونه وزينه= شعاع الخد برق في ظلام
وأنا لجله فوادي حان حينه= وعلى قلبي هوى غيره حرام




وبعث بالقصيدة إلى صديقه حارب حسن في البحرين ، الذي غنى القصيدة ، وكانت أو أغنية يغنيها من كلمات الجمري ، وقد سجلها على أسطوانات بيعت الواحدة منها بعشرة روبيات ، وهو مبلغ كبير تلك الفترة لأسطوانة واحدة .

استمر الجمري بمهنته السابقة منتقلاً في أرجاء المملكة ، فزار الملك عبد العزيز بن سعود مؤسس المملكة العربية السعودية وجلس في ضيافته ثلاثة أيام ، وتنقل أيضاً بين الدوحة والظهران والخبر كثيراً .

وكان للفترة التي قضاها في المملكة أثر كبير في إطلاعه على الأدب والشعر فيها ، خاصة أنه كان يقرأ ويكتب ، فاطلع على شعر عدد كبير من أشهر شعراء تلك الفترة وتأثر بهم ، أمثال : حمد المغلوث ، ومبارك بن حمد العقيلي ومحمد القاضي ومحمد بن لعبون .

حادث الظهران

كعادة المصورين الذي يقومون بالبحث عن مستلزمات مهنتهم واحتياجاتهم كان الجمري يجلب معدات التصوير من أفلام ومواد تحميض من مدينة الخبر في الظهران ، وبينما هو عائد ذات مرة مستقلاً سيارة أجرة ، وقع حادث اصطدام بين سيارة الأجرة التي كان يستقلها وسيارة نقل أخرى ، توفي على أثره ثلاثة أشخاص كانوا يستقلون السيارة معه ، بينما كتب الله له النجاة ، لكنه بقي في غيبوبة من جراء الحادث استمرت أسبوعين كان يعوده خلالها صديقه خليفة بن ماجد بن ثاني الذي كان موجوداً في المملكة العربية السعودية ، وكان يتابع حالته مع الأطباء ، إلى أن استعاد وعيه وعافيته ، وقرر العودة بعدها نهائياً إلى دبي .

لقاء الجمري – بالروغة

كان حادث الظهران وعودة الجمري إلى دبي بعد سنتين قضاها في الكويت ، وثلاثة سنوات في السعودية ، مثابة مرحلة جديدة في حياته .

وقد تعددت الروايات حول الفترة التي قضاها شاعرنا في السعودية ، فبعضهم يقول إنه مكث فيها لسنة واحدة ، وبعضهم ثلاث سنوات ، وبعضهم أرباعاً ، إلا أننا نستطيع الاستدلال والحكم ، قياساً على فترة بقائه في الكويت ثم السعودية وإجمالي المدة التي بقي فيها خارج دبي ، على أن فترة وجوده وعمله في السعودية امتدت إلى ثلاثة السنوات ، وكانت معظم الروايات قد أجمعت على أن المجموع الكلي لفترة بقائه في الخارج خمس سنوات ، وكان قد ذكرنا مسبقاً أن فترة عمله في الكويت لم تزد على السنتين .

وبعد عودته من السعودية لم نس اصطحاب مهنة التصوير معه ، فافتتح له محلاً في سوق السبخة ظل يمارس فيه هذه المهنة ثلاثة سنوات ، ثم ترك التصوير واتجه إلى التجارة ، فسافر إلى الهند ، وتاجر بالذهب والبهارات والأقمشة والعطور متنقلاً بين دبي والهند وساحل عمان .. كما وصل إلى (( سيرلانكا)) وزنجبار واليمن وإيران للغرض ذاته .

وفي بداية الستينات تعرف إلى صاحب أحد محلات التسجيلات الصوتية في دبي ، ويدعى محمد علي العماني صاحب تسجيلات ((هدى فون)) التي كانت من أشهر محلات دبي في تلك الفترة ، وصدرت منها معظم الأشرطة الغنائية التي جمعت لاحقاً بين الجمري وبالروغة ، ومن هذا المحل تحديداً بدأت علاقته بالمطرب الشعبي علي بالروغة الذي يعد أحمد رواد الأغنية الشعبية في الإمارات .
ولم يكن هذا المحل هو الوحيد في دبي حينها ، فقد كان لمحمد بن كدفور المهيري محل تسجيلات في شارع سكة الخيل واسمه ((نهضة الخليج العربي)) وهو من أوائل من استعانت بهم إذاعة صوت الساحل في الشارقة لإمدادها بالأشرطة الغنائية .

وكان إبن كدفور أيضاً مصدر توزيع وإمداد لعدد من محلات التسجيلات ، مثل زينل فون ، كما أيضاً لمحمد بن سهيل المطرب الإماراتي الراحل محل تسجيلات اسمه ((صوت الخليج)) ، افتتحه بعد عودته من السعودية .

يقول محمد بن كدفور التي أسسها مع بداية الخمسينات : إن محله كان مركزاً لتسجيل الأغاني في تلك الفترة ، وكان يقوم بإرسال التسجيلات التي ينتجها محله إلى اليونان عن طريق البريد ، ليتم تسجيلها في اليونان على اسطوانات ، ثم ترسل نسخة منها مرة أخرى إلى المحل لتجربتها والحكم عليها ، ثم إبداء الرأي في طلب كمية معينة من الأسطوانات ، وكانت الكمية تتراوح عادة بين ألفين وثلاثة آلاف أسطوانة ، قيمة الواحدة عشرة ريالات إذا بيعت بالمفرق ، وخمسة ريالات بالجملة .
أما عن قصة التقاء الجمري بعلي بالروغة فيقول الأول : (( كان بالروغة ولداً صغيراً يضرب على العود ولهجته لهجة أهل الجزيرة الحمراء ، وكان ذلك زمان في دبي في محلات هدى فون ، قلت له : هل تحفظ شيئاً من القصيدة ؟ قال : نعم .. أحفظ قصيدة سعودية تقول :



بسري بليل أغماسي= قصدي أزور الحبيب




وبعد أن غنى فإذا صوته جميل ، فقلت له أنت ستنجح في الخليج ، لكن عليك باللهجة البدوية ، وأعطيته أشعاري ، وكلما غنى أغنية جاءت أحسن من التي سبقتها )) .

تلك كانت قصة أل لقاء بين الجمري وبالروغة كما رواها على لسانه ، وبعد ه>ا اللقاء بدأت سلسلة من اللقاءات الغنائية بين الاثنين من تاريخ الأغنية الشعبية في الإمارات .

كانت قصيدة (( يا علي اعزف بصوت وغن لي)) هي أول قصيدة تغنى بها علي بالروغة للشاعر الجمري ، وتقول كلماتها :



ياعلي إعزف بصوت وغن لي= وأنس فوادي تراني مستهن
كود همي من فوادي ينجلي =أطرب لصوتك وعزفك والحنين
ياعلي لي من عودك رن لي= قلبي تذكر وهيضت الكنين
بي وله حب خـــــــل عدملي= أدعج العينين وضاح الجبين



على أن هناك روايات مختلفة حول أول أغنية غناها بالروغة ، فالكثير من عشاقه يؤكدون أن أول تعاون بينهما كان في أغنية ((حارب الجمري منامه )) ودليل ذلك قدم تسجيل هذه الأغنية وصوت بالروغة نفسه في الأغنية ال1ي بدا غير متمكن ، مما يؤكد أن هذه الأغنية كانت هي البداية .
وهذه الرواية تحتمل الصحة كثيراً ، ولكن نظراً لعدم وجود تسجيل رسمي يثبت تاريخ هذه الأغنية يبقى البت في دقة التحديد لأول أغنية أمراً صعباً ، أما كلمات أغنية(( حارب الجمري منامه)) فتقول :




حارب الجمري منامــه =بات يلعي والندامه
ويل مــــــــن قلبه متيم= بين سلمى مع سلامه
إسلني مـــــــن غواهن= واشذفني في هواهن
ليت من عايش معاهن= في مساحة وفي مدامه



ومن الواضح جداً أن الجمري كتب أبيات هذه القصيدة من أجل غنائها لا أكثر ، وربما كتبها لبالروغة خصوصاً ، وهذه القصيدة ليست الوحيدة التي نظمت لتغنى ، بل هناك الكثير من الأغاني التي كتبها ويغلب عليها الطابع الغنائي ، وهذا ما يثبت لنا أنه نجح في كتابة الأغنية أيضاً ، ومثال ذلك عدد من قصائده في هذا المجل ، مما تغني بالروغة لأبياته التي يقول فيها :



تريد الهوى لك على ماتباه= وقلبك تريده يحصل منها
وخـــــل توده تريد عطوف= صدوق يعاهدك عهد الوفاه
فلا شفت مغرم فواد مريح= ولاريت خود هواها صحيح
فكم من متيم دعنه طريح= جفنه وقالن نحن مانباه



كما يقول في قصيدة أخرى تغنى بها بالروغة :



ليش هذا التجني ؟ =ليش بتصد عني؟
ليش تنسى عهودك ؟= يابوجديل مثني
راع العهود القديمة= واترك أصحاب النميمة
الإنسان يذكر نديمه= بأيام عصر التهني



ونعود لنقول إن أغنية (( يا علي اعزف بصوت وغن لي)) تبقى الأولى ((رسمياً)) في تاريخ التعاون بين الاثنين ، استناداً إلى لقاء الجمري في جريدة الإتحاد.

وظل بالروغة يغني من كلمات الجمري، وإشتهر الثنائي على نظاق واسع ، حتى إن شهرة الاثنين تعدت الحدود ووصلت على دول الخليج ، يقول الجمري : (( مرة طلبنا خالد فون من قطر أنا وبالروغة ، وطلب منا تسجيل عشرة أغان في جلسة واحدة ، فطلبت منه أن يمهلنا حتى الصباح .. وعملت في تلك الليلة عشر قصائد لم يأخذ تلحينها وغناؤها أكثر من خمس ساعات ، وفي الصباح غنى المطرب بالروغة بهن كلهن)) ومن أسماء القصائد التي تغنى بها في ذلك الشريط :

-العصر لاقيت ثنتين ولايف .

يا شعاع يا بدر البدور .

وبلغ مجموع ما تغنى به المطرب على بالروغة له خلال مشواره الغنائي ما يقارب مئة قصيدة ، بينما بلغ مجموع ما تغنى به بالروغة من أغنة خلال مشواره لمختلف الشعراء أكثر من ثلاثمائة وخمسين أغنية .

وعندما سأل المطرب علي بالروغة ذات مرة عن أحب أغانيه إليه أجاب : هناك أغنية أعتز بها كثيراً وهي من كلمات الشاعر الكبير سالم بن محمد الجمري ، تقول كلماتها :



من ضميري دار دولاب المثل= شفت ظبي ياملا ماله مثيل
هوخشف لو سولعي والا وعل= لودماني فز من عقب المجيل
هو شعاع الشمس لو بدركمل= لو ضيا جنديل ومسوى شعيل




ويعد بالروغة هذه الأغنية نقله فنية في مشواره الغنائي .

ومن أشهر الأغنيات التي غناها من كلمات الجمري : يا حبيب الروح خبرني ، مشكور راعي الهدية ، ومن ضميري دار دولاب المثل ، هاض مابي والخلايق ذاهلين ، لي زارني عشوية ، ناح الحمام وشجاني ، هاض ما بي تعذابي ، لي حل بي ما حل بإنسان ، هاض ما بي والجفن زاد إحتراق ، ياطير سلم ع الحبيب ، تيمني ياعلي خود لفني ، ياونتي من ليعتي ، اسعفوني قبل لا ولي ، رفرف فوادي على المضنون رف ، من غرامي زايد هيامي ، آه يا من عوق فواده ، إذا هب الصبا مير الشراتي ، انصخي إنته ونظر عيني ، سافرت من بر ديره ، هلا بحبيبي المضنا ، ورق لعي باصواته ، ياطرفة هيجتيني ، ياعلي قوم انتبه عجل قوم ، شط الحشا من شط به ، على حساب سلمى قمت اجر النوح ، ياحياة الروح ياروحي ، هالليالي حل بي حالي ، علي بانوح نوحات الحمايم ، دار دولاب المثايل والشعر،كل ماقلت الهوى عنه يتوب ، يانسيم هب زفزافي ، هب نسناس النسايم ، يقول الشاعر المغرم ، مرحبا بمورد الخد اللبيب ، مرحبا بألفاظ صب مستجير ، حارب الجمري منامه ، يقول الشاعر الجمري معنا ، زرعت الموت واسقيته ، ضناني الحب يالمضنا ، يقول الجمري المعروف ، الألفية ، في شارع العين صادفت الظبا ، عصير الموز في كاسه ، عدي بشوفك من سنيات مضت ، أهلاً وسهلاً وحي ، طال ليلي من جفنا جفني السهر ، حمام يغني على راس فني ، آه ياقلب غدا به من غدا به ، خذت الخبر من عند صوت الساحل ، أيا عذال لوتدرن مابي ، علي ياخوي قلبي لاتلومه ، عذبتني ياوليفي حلو الصبا ، البارحة مازال جفني ياعلي ، على سبحان من صور ، بسك بسك كم بفداك ، آه ياقلب غدوا به هل الفلي ، ياعلي اعزف بصوت وغن لي ، ياطير سلم علي ، الأصحاب والخلان ، هب النسيم اليماني ، يازين صافي النحر ، إذا هبيت ياشرتا المغيبي ، ليش هذا التجني ، مرحبا بالخل بوخد عفر ، يقول الشاعر الجمري مثايل ، علي لو شفت ريم شايفنه ، نادم الدليه الخالي ، يانسيم جدد أحظاني ، البارحة قلت المثل ، هاض الكنين بخافيات انشادي ، حبيبي شافني نوره ، تريد الهوى لك على ماتباه ، مالوم نفسي في الهوى متعللة ، عزي لقلب من تصاوب الولع ، العصر لاقيت ثنتين ولايف ، طال ليلي من تعليلي ، من غرامي زايد هيامي ، مرحبا ثم مرحبا عد النجوم ، تعبنا في هواكم وامتحنا ، رعبوب نوره كما لون القمر وانوره ، مرحبا ثم مرحبا حي بنباك ، شرط المحبة علينا ، ثريا على تب الحشا تبت يدب ، ياطير سلم ((ع)) الحبيب ، هاض مضنون الكنيني ، آه من هجر الحبايب ، قال من قلبه تولع ، زارني غض الصبا سيد الأنام ، في دعايا الشوق تعذيب وملاما ، أعلا بنسيم هب من صوب عربي ، عدي بشوفك من سنيات مضت ، مرحبا ثم مرحبا أهلا وحيا ، يا هلا بروح روحي ، آه من ظبيٍ لقيته ، آه ياقلب تسقى بحسراته .

وبشكل عام فهذا التعاون الكبير الذي نشأ بين الاثنين بهذا الكم الكبير من القصائد المغناة يؤكد الانسجام الواضح بينهما ونجاحهما ثنائياً وهو ما لم يكن للجمري مع مطرب آخر ، أو لبالروغة مع شاعر آخر .

وبالنسبة للجمري فتبدو قوة العلاقة والرابطة بينه وبين بالروغة واضحة عندما نقرأ قصائده التي يخاطبه فيها طالباً منه الغناء أو باثاً شكواه إليه ، ومن هذه القصائد التي يزيد عددها على قوله :



يا علي لو شفت ريــــــم شايفنه= فوق مشراف زمانه معتلي
كان ذبت وزدت فوق النوح ونه= واتليت وصرت من عقلك خلي



كما يقول في أخرى :




علي ياخوي لاتعزف= تذكرني بخلاني
وقلبي دايم يرجف= وكثر الحب شقاني



الجمري والأغنية الشعبية

ولم يقتصر الجمري على تعاونه مع المطرب علي بالروغة فقط ، بل كانت له أكثر من تجربة مع أكثر من مطرب ، بالمطرب حارب حسن هو أول من تغنى بقصائده ، وكان تعاونه الأول معه في قصيدته في رثاء زوجته ، وبلغ ما تغنى به حارب حسن من قصائده له عشر قصائد ، كان آخرها قصيدته التي يقول فيها :



سعد الليالي صارت أتراح= واتبدلت عقب الطرب نوح
من عقب مانا صرت مرتاح= بالي، وباب الوصل مفتوح
كن البخت يذابي وطاح= وآزمت عقب القرب منزوح
ياما سقاني خلي وضاح= كاس الحياة وصرت ممنوح
من سلسبيل فيه منواح= شهد مذاقه ينعش الروح
واليوم عني عرض وشاح= شوح الذي صفق بالجنوح
وآعز تالي مالي ايواح= على اعثرات الحب والشوح
لااهيع ولااتلذذ ولا ارتاح= كني لديغ بسم يفوح
فقدي على راعي التمزاح =بومنحر ياضي ومسطوح
سحت بغرامه مثل ما ساح= في حب مي وسامر النوح
إن عشت لي سطر في الألواح =وإن مت قولوا ذاك مسموح



وعن تعامل الجمري مع المطربين يقول : تعاملت مع المطرب حارب حسن والمطرب محمد سهيل والمطرب علي بالروغة ، أما بالنسبة لإلتقائي بالمطربين في ذلك الوقت فكان في دكاني بالراشدية ، ومن هذا الدكان عملت مدرسة غنائية كانت ملتقى للمطربين والشعراء ، كنا نجلس نتسامر ونتبادل القصائد والمشاكاة والحديث عن الشعر الذي كان ينقل من واحد إلى آخر .

وتعاون الجمري مع المطرب محمد سهيل كان في عدد من القصائد ، أولها قصيدته التي قال فيها :



غزال سلني وأنـــــا مجبلي =رماني برميه على مقتلي
رمان برميته وقال لي تعال =أعزمك ياهذا على منزلي



وقد سجلت هذه الأغنية في تسجيلات هدى فون في دبي .

كما غنى محمد سهيل قصائد أخرى منها / مرحبا باللي رمس في التليفون ، في بوظبي شفت الظبي ، أريد الهوى لي يجود بوفاه ، التي تقول كلماتها :



أريد الهوى لي يجود بوفاه =على شان قلبي يحصل مناه
وحظي بسعد الليلي يقـــوم =م اللي فوادي يحن ويباه



كما تغنى له مع المطربين ، سعيد سالم ، وميحد حمد فيما بعد ، وبشكل عام فإنه يمكن القول إن وجود مثل هذه العلاقة الواسعة الأطراف بين الجمري والأغنية الشعبية قد عاد بفائدة كبيرة على شعره ، وهو حفظه من الضياع ، فالكثير من قصائده لانجد لها توثيقا سوى تغني المطربين بها ، وربما لم نكن ما وجدناه لو لم يفعلوا ذلك .

ومع بداية الستينات ترك الجمري السفر والتجارة ليعود إلى البحر ، ولكن هذه المرة إلى صيد الأسماك ، فامتهن العمل ، ثم تركه بعد مدة وظل يمارسه هواية ، حيث التحقق بالعمل في دائرة الأراضي ، والأملاك في دبي سنة 1963م .

وتمر السنوات ، وتدخل منطقة إمارات ساحل عمان مرحلة تاريخية جديدة ، إذ بدأت الاجتماعات التي كانت تهدف إلى الإتحاد بين الإمارات ، وكانت المباحثات يومها بين تسع إمارات هي أبوظبي ، ودبي ، والشارقة ، ورأس الخيمة ، وعجمان ، وأم القوين ، والفجيرة إضافة إلى قطر والبحرين ، وكان الإتحاد الساعي بين الإمارات وشيكاً ، كما كانت المنطقة العربية تشهد تحركات ثورية واستقلالية ضد الاستعمار ، وكانت إذاعة صوت الساحل التي تبث من إمارة الشارقة هي إحدى الروافد القليلة جداً لأبناء المنطقة التي تعرفهم بالأخبار العربية وتصلهم بما يدور حولهم من أحداث في الساحة العربية والدولية .

وكان شاعرنا من المتابعين لمستجدات وتطورات الوحدة بين إمارات الخليج ، وكان شعوره وإحساسه الوطني بأهمية الوحدة واضحاً وصريحاً في التعبير عن الرغبة الفعلية والمخلصة لأبناء الخليج كي يتحدوا ، ويكفي أن نقرأ القصيدة التي قالها عندما سمع باقتراب موعد الوحدة بين إمارات الخليج ، وهو البدوي البسيط الذي لا يشغل منصباً أو يسكن هاجسه جاه أو مصالح أخرى تذكر .

وفي قصيدته تلك نجده عربياً مخلصاً ، تسكنه القومية العربية ، ويجري في دمه الشعور بوحدة الدم والتاريخ والدين بين أبناء المنطقة ، يقول :

خذت الخبر من عند صوت الساحل والحمدلله اتحدت الشيخان
والشعب راضي بالتوافق واحد وطاب الفرح في قلب كل إنسان
واخبارنا راحت بعيد وداني وشعوبنا حامين برعمان
من ساحل الدوحة إلى لفجيرة كلنا اسلام وعصبة واخوان
والباطنة والبادية باكملها حتى ظفار وديرة السلطان
كلنا على سنة نبي واحد وبعزة الله نبعد العدوان
جمالنا في مقدمات الماضي دور يمثل في عصر الأزمان
واللي علينا رادته يتعدى مانال غير الذل والخذلان
حكامنا من غافري وهناوي يردون حوض الموت في الميدان
ولهم عوايد في مراقاة العلا عصبة (( بني ياس)) وهل (( نهيان))
ظفري بهم يوم المعارك واللقا أحرار قوم كنهم عقبان
الشيخ زايد للمعالي يسعى بالخير والمعروف والإحسان
ساد العشاير والقبايل كلهم لكبار لبت له مع الطفلان
الله يعز شيوخنا ووجودهم وشعوبنا تهدي إلى الإيمان
لي مايدافع نايبات شروره ماكن له في المجد عز وشان
والمرجلة فيها أمور صعيبة ماتنرقي بالذل والعصيان
إلاعلى طرق الهدى والطاعة والحر مايصعد بلا جنحان
لي ما معه جند وجيش باسل يحمي حماه ومرضي الشبان
مانال عزه ومطلبه ومراده لو هو على ماقيل ، واسمه فلان
والخنم صلى الله على سيدنا الهاشمي اللي من نسل عدنان


وقد تغنى بهذه القصيدة المطرب علي بالروغة ، ليسجل معها البدايات الأولى للأغنية الوطنية في الإمارات .

وفي أواخر الستينات وبداية السبعينات ، كانت برامج الشعر الشعبي قد بدأت في تلفزيونات إمارات الخليج ، وكان تلفزيون إمارة دبي يسجل برنامجاً للشعر الشعبي يعد الأول من نوعه بين الإمارات في تلك الفترة ، وكان يقدمه الأديب الشاعر حمد خليفة بوشهاب ويضم مجموعة من أكبر وأشهر الشعراء في تلك الفترة ، منهم سالم الجمري ، وراشد الخضر ، وأحمد الهاملي ، ومحمد بن سوقات ، ومحمد الكوس ، وعلي بن رحمة الشامسي ، وربيع بن ياقوت ، وراشد بن طناف ، وسلطان حمد بن سليمان ، وراشد بن مكتوم ، وغيرهم .

وكان الجمري أحد المشاركين غي هذا البرنامج ، وعضواً بارزاً في مجلسه ، كما كان اجتماع الشعراء في البرامج الشعبية فرصة كبيرة لالتقائهم حيث تدور بينهم المساجلات الشعرية في هذا البرنامج ، وعضواً بارزاً في مجلسه ، كما كان اجتماع الشعراء في البارمج الشعبية فرصة كبيرة لالتقائهم حيث تدور بينهم المساجلات الشعرية وقصائد الشكاوى والردود .



يتبع


المهيري
03-12-2010, 12:10 PM

قيام الإتحاد

ومضي الأيام .. ويتحقق حلم أبناء المنطقة وحكامها حين اتحدت الإمارات ، التي ضمت في بداية إتحادها ست إمارات : هي أبوظبي ، ودبي ، والشارقة ، وعجمان ، وأم القوين ، والفجيرة ، كان ذلك في الثاني من ديسمبر 1971 ، وبعد هذا التاريخ بسنة ، انضمت رأس الخيمة لتكون سابع إمارة اتحادية .

وكانت الفرحة بالإتحاد غامرة ، وتوافد أبناء الشعب إلى الحكام لتهنئتهم ، وكان رائد الإتحاد قائده ، وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة على رأس مستقبلي المهنئين الذي كان الجمري من بينهم ، فطلب رئيس الدولة منه قصيدة يرتجلها في هذه
المناسبة تلك اللحظة ، فقال :





على بختك على مجدك العليا= هنيا لك أيام السعادة والأقبالي
وهناك رب العرش بالعز والهنا= مادامت الدنيا إلى يومها التالي
ياكاسب المعروف والجود والثنا =ويا سما بإسمه المنزل العالي
ويا من رقي كل المعالي بفعله= ويا من بعزمه أصعب الطود ينهالي
ويا من كساه الرب ثوب من الوفا= عريب النسب ينسب إلى بن هلالي
ملوك لهم في العز من سابق الدهر= أعلى الرتب طالوا على كل من طالي
فلا ينتسب حر إلا من حموله= ولا بالرمك يقدم ترى غير خيالي
ولايدرك العليا شحيح يلو بغى= ينال مطلوبه فلا عاد به نالي
رضي وفي يحتفى من مودته= على اللي رماه الدهر بالعسر ويسالي
مرامه مرام العز من طبعه= العفو لك الله ماني فايل زور وأمحالي
ترى للبخت وفق وللعز طاعة= وللحظ فرصاة بها الحر بحتالي
أرى له روايا الخير في كل حاله= مشاريع تنظيم وتعزيز الآهالي




إلى أن وصل إلى قوله :





ضرغام قوم بقصر الوهم دونه فلا= في عصرنا اليوم له قط تمثالي
ما كنه إلا خاتم في زمانه وإلا= كما كسرى به الوصف ينقالي
ملاذ الملا حزة الضيق والبلا =غياث الملا وقت السنيات والأمحالي
نامت بظله كل خود حسينه= وترعى بها الهزلا بروس المفالي
واستاسعت ناس اليوم تدعي= ينال مطلوبه وتحقيق الآمالي
ويبقى لنا شيخ له المجد والفضل =علينا ويسعد في زمانه بالغالي
رئيس دولة الإتحاد الفتية= وظلالنا عن حر شمس وصالي
والختم صلوا عد ما قايل =هنياً لك أيام السعادة والإقبالي



عدي بشوفك




عدي بشوفك من سنيات مضت =يافايق الخود الحسان الخردات
واليوم من شفتك عيوني برقت= واذكرت نفسي ليل ماضيات




أبيات هذه القصيدة الجملية التي نظمها الجمري بعد الإتحاد ، وتغنى بها المطرب علي بالروغة لها قصة جملية ارتبطت باستقرار الناس في مساكن شعبية ، غما هي قصتها بالضبط ؟ .

لم أجد رواية واحدة اتفق عليها لسبب هذه القصيدة ، ولم أكن لأبحث عن سببها لولا سماعي بقصتها من أحد الرواة ، وعند تحري صدق روايته ، ظهرت لي روايات أخرى عدة ، وهنا ما

سمعته :

الرواية الأولى :

جاءت على لسان أحمد الذين عاصروا الجمري والتقوا به ، وهو راشد بن طارش الذي يقول إنه سمع قصة هذه القصيدة على النح التالي :

قدم الجمري ذات يوم على حي من الأحياء لزيارة أحمد معرفه والسلام عليه ، فلما وصله وسلم عليه ، قام للسلام على النساء اللاتي كن موجودات في المنزل ، حيث كان من عادة الضيوف أو المعارف في تلك الأيام لدى زيارة بعضهم السلام على جميع أهل البيت من رجال ونساء نظراً لمعرفة الضيف السابقة بهم .

ما يهمنا هنا أنه دخل للسلام على النساء اللاتي كن موجودا تصادف أن كانت إحدى النساء اللاتي طلقهن سابقا موجودة بينهن ، فنهضت للسلام عليه بعد أن غططت وجهها بالخمار ، ورغم انه عرفها فإنه لم يفصح عن ذلك ، ولم بين وعرفته بها ، ولما كان لا يزال يذكر أيامه معها بحلوها ومرها برهن الفراق الذي حدث ، نظم هذه القصيدة التي يذكر فيها تلك الأيام ويتحسر عليه ، وقد بدأ القصيدة بالتعبير عن سعادته وفرحته الكبيرة بلقائه معها ، ثم ذكر أيامه معها ، بسعادته ومآسيها وحلوها ومرها ، محملاً عتابه على الدنيا والوشاة بأقوالهم وأفعالهم .

الرواية الثانية :

جاءت على لسان الشاعر والممثل الإمارتي سلطان حمد سليمان الشاعر ، وكان أحمد أحد أصدقاء الجمري الذين عاصروه وعاشوا معه ، حيث يذكر مناسبة القصيدة التي أخبره بها الجمري فيقول : إن الجمري التقى بعد فترة غياب طويلة ، بفتاة كان يتمنى أن تكون زوجة له في يوم من الأيام ، لكن الظروف فرقت بينهما لسنوات عدة ، كان الجمري خلالها يبحث عن هذه الفتاة ، وقال فيها قصائد عدة منها هذه القصيدة التي قالها بعد أن التقى بها مصادفة دون موعد سابق .
ويستكمل سلطان الشاعر حديثه فيقول : وهي الفتاة التي قصدها في قصيدة سابقة حينما قال :



لاهند لامي ، لاليلى التي تذكر =بخلق شراته ولاعينت أنا بشري
عاشرت قبله وعقبه في زمان مر= ولاغير حبه ياملا عذاب الجمري
سقاني ثمان سنين من مبسمه كوثر= وعشر سقاني علقم المر والصبري
وإن مر تذكاره على القلب وتذكر= برحت دموعي علي صفح الوجن تجري
أفرج الضيق عند الناس وإتغشمر= وأجحد عواقي ومن يعلم ومن يدري
متى متى كسر قلب الصب يجبر= ويعود لي عقب ذاك الصد والهجري
الناس ترقد وأنا بنوم العباد اسهر= مغبون قلبي وضايع ياملا فكري



ويرجح صحة الرواية الأخيرة ديوان الجمري نفسه ، الذي أشرف عليه وعلى ترتيب قصائده ، فقد لاحظت أنه رتب ثماني قصائد لهد في الصفحات من 177 إلى 184 ، وجميعها تحكي القصة نفسها ، وتكاد تكون المشاعر فيها واحدة ومتشابهة ، وكذلك الصور البلاغية .

الرواية الثالثة .

أما الشاعر والأديب محمد سعيد بالهلي فيذكر أن السبب الحقيقي للقصيدة التي قيلت فيها بعد قيام الإتحاد وهو توزيع عدد من المنازل السكنية على أهالي المنطقة ، وتصادف أن يسكن الجمري إلى جوار منزل زوجته التي طلقها سابقاً قبل عشر سنوات ، فقال قصيدته هذه بعد أن اكتشف الأمر .
ولا أستطيع الجزم بأي الروايات أكثر قرباً للدقة ، لكن القصيدة بشكل عام رائعة ، حملت لونا جديداً له ، يؤكد مقدرته وشاعريته الرقيقة .

وأبيات القصيدة كاملة هي :



عدي بشوفك من سينات مضت= يافايق الخود الحسان الخردات
واليوم من شفتك عيوني برقت= وإذكرت نفسي ليل ماضيات
لك سبحت روحت ونفسي هللت= قلبي تعطف لك وخرن ساجدان
شوفك شفى لفواد ، وعظامي صحت =إلا جروحي في فوادي باقيات
يافرجتي ، يا كبر حظبي والبخت =يوم اسمحت نفسك لنا بمواجهات
الله يادنيا تقضت وإنقضت مرت= لياليها شراغى وبهوات
غنت ليالي السعد لي وإتزخرفت= يوم اقبلت حظي بها قيل وبات
ياما استهلت واعطف لي وامطرت= وياما سقتني من ثنايا صافيات
وخلاف ذا يوم اشمئزت وادبرت= ما فادها زقري سعت لي بالشتات
اتنكرت عقب الوداد وتمزعت= ثوبي وثوب الغي ترفيه الرفات
و الحب فيه القول وافعال الشمت= وراعيه مايسلم من أقوال الوشاة
ليت المحبة في محاكمها انصفت= خلت ميازين الهوى متعادلات
لكن عن حكم العدالة ميلت= سهمي قصر وسهوم غيري وافيات
حطت عليه بالملام وثقلت= وسكرت في بحري الهوى سبع سكرات
تلعب بي المايات شرق وغربت =غرقان ومجاسي من الحب وهقات
والله لوما خاف من حكي الشمت= وادري الهوى عن لاتقول الناس مات
لآون ونات بها الضرب نعت= يبقى ذكرهن في الليالي المقبلات ؟
ما يلام قلبي يوم شافك وابتهت= يابو حيايين سمر ومقرنات
جرحك يرى وجروح قلبي ما برت= داخل ضميري لك جروح ساطيات




لآلي الخليج

((لآلي الخليج )) .. اسم الديوان الوحيد الذي صدر للجمري في حياته ، جمع فيه بعض قصائد وطبع في بداية الثمانينات على نفقة قائد النهضة ، ورائد الشعر عاشقه قائله ، صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة.

وعندما صدر الديوان نفذت جميع نسخه في تلك الفترة ، نظراً لأن صدور ديوان لشعار معروف يعد شيئاً فريداً آنذاك .

ولا تنسى دور الشهرة التي وصل إليها الشاعر في تلك الفترة على نطاق ساحة الشعر الشعبي ، في رغبة المهتمين بالشعر في اقتناء يوانه الذي يعد في وقتنا الحالي من المطبوعات النادرة ، وقلة قليلة هي التي لا تزال تحتفظ بنسخ منه حتى الآن .

وقد صدر هذا الديوان في الحجم العادي للكتب ، وقد احتوى على (162) قصيدة تضمها (212) صفحة ، منها (141) قصيدة لصاحب الديوان ، وما بقي كان لشعراء آخرين وضع الجمري قصائدهم فيه إعجاباً منه بهم وبشعرهم ، ويأتي على رأسهم أحمد أعز أصدقائه الشاعر محمد الكوس الذي وضع له ثلاثة قصائد ، إضافة إلى قصائد الشكوى من شعراء آخرين ومساجلاتهم معهم ، ويأتي على رأسهم سمو الشيخ محمد راشد آل مكتوم ، والشاعران أحمد الهاملي وحامد خلف .

ويلاحظ على الديوان بشكل عام وجود عدد غير قليل من الأخطاء الإملائية فيه ، وربما كان ذلك بسب سرعة إعداده وغياب المراجعة الدقيقة له في أثناء إعداده للطبع .

كما يبدو واضحاً من تصفح قصائد ديوانه (( لآلي الخليج )) أن من أشرف عليه وأعده وجمعه هو الشاعر ذاته .

كتب مقدمته التي تقول فيها :

(( الشعر النبطي هو الشعر الشعبي لهذا الوطن الحبيب ، وقد حباني الله بأن جعلني من هؤلاء الذي سطروا بشعرهم صفحات ترسم معالم الحياة في خليجنا العربي ، فيها المديح وفيها الغزل وفيها الحماسة ، وفيها بعض ما حفلت به حياتنا في هذا العصر الذي تكاد سرعته الخاطفة تذهب بكل ما يمت إلى ماضينا العريق ، بما في ذلك هذا الضرب من الشعر .

وإنني إذ أدفه بهذا الديوان الذي يمثل باكورة إنتاجي ، فإنني أرجو أن أتوجه بالشكر لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة على تكرمه بطبع هذا الديوان على نفقة سموه ، كما أشكر كل من ساهم في إظهار هذا الديوان .
وفقنا الله جميعاً إلى خدمة هذا الوطن )) .

الشاعر : سالم بن محمد الجمري .

أما على ظهر الديوان فقد كتب نبذة مختصرة عن حياته الشخصية ، فذكر إلى جانب صورته التي زينت الجانب الايسر من الصفحة :-

- الشاعر سالم بن محمد الجمري العميمي .
- ولد سنة 1905 في دبي .
- تتلمذ على يد العالم الفقيه السيد محمد الشنقيطي .
- كان في الخامسة عشر لما بدأ في قرض الشعر بأنواعه الغزلي والحماسي والمديح والرثاء .

أما قصائد الديوان ومحتوياته فقد تنوعت بين الشعر الوطني ، وشعر الحكمة ، والمدح ، والغزل ، والحماسة ، والمساجلات ، والرثاء والألغاز .

سفره للعلاج

في عام 1975 سافر شاعرنا إلى المملكة المتحدة للعلاج ، ثم سافر في العام الذي يليه إلى الهند ، وفي العام نفسه إلى مصر للغرض نفسه أيضا .

جوانب من حياته .

قد لا يعرف الكثير منا سالم الجمري تزوج خلال فترة حياته ثماني عشرة مرة ، رزق من هذه الزيجات جميعها بثلاثة أولاد هم : محمد وحمد وعجلان ، إضافة إلى ابنة فقد سماه على اسم صديقه الشاعر حمد بن سوقات ، بينما سمى عجلان على اسم أحمد أعز أصدقاءه الراحلين وهو عجلان بالرقاد .

وهو في زيجاته جميعها لم يجمع بين زوجتين معاً ، أما سبب كثر زواجه فهي الظروف التي عاشها

من سفر وعد استقرار في حياته .

وكان من هواياته الصيد بالصقور ، وعي التي كان يمارسها منذ صغره ، وكان الشعر عشقه الكبير ، وهاجسه الذي لا يفارقه أينما حل ، كان يقول الشعر عندما يتخلى بنفسه ، ويتحدث عن تلك الأوقات المفضلة لديه عندما ينظم الشعر فيقول : عندما أختلي بنفسي ليلاً أو نهاراً في مكان هادئ لا أسمع شيئاً غير تردد أشعاري .

تكريم الجمري .

في السادس عشر من ديسمبر عام 1981 كرم الجمري في مهرجان الشعر النبطي الذي أقيم تحت رعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وحضوره ، وكرم إلى جانبه شعراء آخرون هم : عجيل بن عبيد ، وراشد بن مكتوم وراشد بن طناف وياقوت بن سيف وسالم عبدالله خميس وسعيد علي صالح .

وألقى كل شاعر في هذا المهرجان قصيدة غزلية ، عدا الجمري الذي ألقى قصيدة الحكمة والمثل ، نظراً لحبه وميله إلى هذا النوع من الشعر ، وفي هذا المهرجان ذاته أعلن عن مسابقة للشعر تقام بعد سنة من تاريخ المهرجان ، واشترك في تلك المسابقة التي أعلنت نتائجها في 4/5/1982 ، وحصل على المركز الثاني بقصيدته التي يقول فيها :



غنى الحمام وهيج القلب بغناه= وادعى فـــــــــــــوادي عاشق يرف
متولع يبكي على فقده مضناه= والدمع من عيني جرى ما بعد حف



وهذه القصيدة تغنى بها المطرب ميحد حمد فيما بعد ، أما المركز الأول في تلك المسابقة فقد كان من نصيب زميله الشاعر محمد الكوس .

إبتعاده عن الأضواء .

في عام 1983 توقف الجمري عن الاشتراك في برامج الشعر الشعبي ، ومع توقفه هذا كان السؤال المطروح :

لماذا توقف ؟

هل التقدم في السن ؟ هل لأن معظم أصدقائه الشعراء الذين بدأُو معه رحلو؟ هل تغيرت عليه الوجوه التي اعتاد رؤيتها ؟

يقول الجمري ( العمر له أحكام ، وأريد ترك فرصة للشعراء الشباب )) هكذا أجاب حين سئل ، وهكذا ابتعد عن الأضواء والشهرة والإعلام في هدوء ، وإن كنت أرى أن وفاة عدد من أصدقائه الشعراء أمثال راشد الخضر الذي توفي 22/10/1980 والشاعر أحمد الهاملي الذي توفي في 1/1/1982 ، وابتعاد بعض الشعراء كالشاعر حمد بن خليفة بوشهاب ، ومن الأسباب الأخرى التي أدت إلى ابتعاده .

وقد كان يقضي أيامه بعد ذلك بين زيارة أصدقائه الشعراء ، والخروج إلى المناطق الصحراوية العذراء ، يتذكر فيها أيامه وسنين حياته .

الشاعران محمد بن سوقات ومحمد الكوس كانا من أعز أصدقائه ، وأقربهم له ، كانا دائمي الزيارة له ، فقد كان يحس معها برائحة الماضي وذكرياته .

وفي أيامه الأخيرة، كان يشعر بالوحدة ، إذ أقعده في السن عن الحركة ، وألزمه الفراش ، وأصبح أسيرا للوحدة .

وقبل وفاته بأشهر قليلة زاره الشاعر علي بن سلطان بن بخيت للسلام عليه ، فجلس عنده وأخذ يتحدث ويتحاور معه حول قضايا الشعر ، وطلب الجمري من زائره أن يسمعه شيئاً من أشعاره ، فذكر الضيف قصيدة له يضرب في احد ابياتها مثلاً بالجمري ، وحالته التي وصل اليها.



وكم قال الجمري أمثالي =لأصدقائه وجملة أندامه
وكم نادم طيب الفالي= سولعي ضافي لثامه
وكم ترك رد الأمثالي= وصلته قلت أرحامه



وصل إليها بعد مشيبه وكبر سنه ، فقال :

وبعد انتهى الزائر من قصيدته بكى الجمري ، فقال :

(( أرجوك يا علي ألا تعيد هذا البيت مرة ثانية )) ، إذ لامس البيت إحساس الجمري بالوحدة ، والوضع الذي يعيشه وآل إليه مؤخراً ، وكانت دموعه التعبير الوحيد الذي لم يستطع كتمانه ومنعه .



يالله من جفن جفا وحارب النوم= بايت سهير والخلايق نياماً
لي من غضت عيني ترواي لي حلوم =من جور دهري عقب سبعين عاما
أتذكر أيامي وأنا كنت شغموم =عصر الصبا ومسامرات النشامي
إمسج في غي الهوى والطرب دوم= مع سيدات الفن ياما وياما
شلت الهوى يوم الهوى عدل بعزوم =والمصعبات اللي إتن في الولاما
كم ليلة سامرت زينات لوشوم= وكم انظرت عيني حبايب نداما
وكم ليلة جاوزتها بين لقروم =في ظهور هجن في دجايا الظاما
لي من بدا لازم علينا بملزوم =ندي حقوقه الوافية بالتزاما
وكم غصت بحر لجته ديه انجوم =اجني من اللولو رفيع المساما
ولاهمني بحر وبرد ولاغيوم= لو كان غمق مثل غبة سلاما
واليوم غالتني الحوادث ولاروم= انهض يلي مني بغيت القياما
الراس شاب ومني العضد محطوم= طايح على وسادي وعظامي حطاما
والعين ماتنظر اطلال ولاحزوم =من زود ماتذرف عيوني تعامى
وتبدلو ناس معي كلهم قوم= صبح وعصر وليل عندي دواما
وآخر يلي مروا بعيد لهم شوم =أبداً ولايلفون لي بالسلاما
مالي بهم حاجة ولاعازة السوم =والقلب مايعتب عليهم حشاما
لكن عتبي فل تفريج لهموم= والأفهم عندي عزاز كراما
وش حيلة أبنيدوم لي عاد مهموم ؟= والعرق ينظح من صليل البهاما





لقد استطاع في قصيدته هذه أن يحكي قصة حياته ومعاناته في ثمانية عشر بيتاً بتصوير دقيق معبر ورائع ، فبدأها لنا بوصف دقيق معبر ورائع ، فبدأ لنا بوصف حالته وهو في أيامه الأخيرة بجفاء النوم لعينيه ، وإذا ما أتاهما كانت الأحلام والهواجس كفيلة بإيقاظهما ، ثم ذكر مرحلة صباه ورحلاته في البر والبحر ، ثم ما وصل إليه حال اليوم ، وكانت شكواه من قلة زيارة أصدقائه له ، وكان رجاؤه في عودتهم لزيارته .. رافعاً جميع أسباب العتب وأنواعه عنهم ، فهل كان مطلبه مشروعاً؟


آخر الدرب





على بخت من بيعود به بعض ما =راحي ليل تقضت بالزخرف والأفراحي
أيام سعد لمها الأنس والهنا =على عشرة وناس، ومع كل مزاحي
وعشنا بها في غاية الأنس والطرب= ثلاثين حجة في مناعير وسلاحي
ربينا على عشرة أكرام نعهدهم= ضراغيم قوم شانهم ماله كفاحي
هذا أخو هذا وهذاك شفنا= وهذا بني عمنا ورفيق ونصاحي
أحرار ربوا في ذروة المج والعلا= ربوا في ظهور الخيل صبح ومرواحي
وهجن جنوهن لابتي للوازم حموا= حيهم عن كلمة اللوم والآحي
مجالس للضيف عادات مجدنا= بنوهن أكرام ما بغن فك مفتاحي
يشرغ بهن ((جا)) من البعد جايع =ويمسي عقب صوعه أمين ومرتاحي
ونصبح نساير مع أشراف حينا= ونمسي نغني مع خوندات الأملاحي
ولا فكرنا أن الليالي تضدنا= ولاظننا أن الرسم ذاك ينماحي
وآخر تبدل عصرنا ضد مجدنا= وجتنا ليال كدرت ذيك الأفراحي




الأيام تمضي أناس يذهبون وأنا يأتون ، هذه سنة الحياة ، وهو الرحيل الذي لا مفر منه ، والنهاية الحتمية لكل مخلوق .

الزمان : الثامن والعشرون من فبراير عام 1991 ، والمكان منزل الشاعر سالم الجمري .. أما الحدث فهو رحيل الجمري في صباح ذلك اليوم عن عمر ناهز الواحد والثمانين عاما .

وبرحيله أفل أحد نجون الشعر من سماء الإمارات ، فبكاه الشعر يومها كما لم يبك من قبل ، وقد كان لوفاته أكبر الأثر فيمن بقي من زملائه الشعراء الذي عاصروه وكانوا قريبين منه .

يقول عبدالله بن سوقات ابن الشاعر الإماراتي الكبير محمد بن سوقات / منذ أن توفي الجمري ووالدي في حال غير التي كان عليها سابقاً ، إذ اعتزال الناس والشعر، وتأثرت حالته النفسية كثيراً ، ولا يزال على هذا الحال حتى اليوم .




المصدر : الرمس.نت
الإماراتية للأخبار العاجلة