الفرق بين فوائد اللغة الفصحى واللغة العامية


أخي القارئ نظراً لكون اللغة العامية في نظري، وبحسب رأيي الشخصيّ هي اللغة الحقيقية، التي لا سبيل للعلم في حال الخروج عنها، لأنها هي الوسيلة، والأداة التي نستطيع بها فهم ما سواها من اللغات،سواءً كانت هذه اللغات اللغة العربية الفصحى، التي هي لغة العرب الأم، التي يمكن بواسطة الرجوع إليها أن يتعرف العربي على أصول لغته، وقواعدها الأصلية، أو لاستخداماتها الشاذة، ولكنها متداولة، متعارف عليها، أو اللغات الأخرى غير العربية



أخي قد يظل القارئ العربي، طالب المعرفة النافعة، التي يستطيع بها معرفة نفسه، بعد أن يتعرف على دينه، وربه، وعادات مجتمعه، وانظمته، ومصطلحات لغاته، المستخدمة في الماضي أو الحاضر، قد يظل في حيرةٍ من أمره بين أن يستطيع أن يعتبر اللغة العربية الفصحى هي لغة الكتب المدونة، شرعيةً كانت هذه المدونات أم عُرفية، وبين أن يعتبر هذه اللغة غير مستخدمة، لأنها غير مفهومة عند الناس اليوم،
والأمر والأدهى من ذلك هو أنه لو لم يعتبر اللغة العربية الفصحى هي اللغة الرئيسية التي لا يختلف على صدق استعمالها مختلفان، لوجد من يعارضه، ويخطئه، ويستوقفه عن الكتابة، أن لم يطلب محاكمة، ومعاقبته بأشد العقوبات، كيف لا وهذا ما نراه يواجه كل كاتب عربي ألف عن حسن قصد، ثم واجهه الناس بالانتقادات الحادة، التي تفر من الأخطاء، وتفضح مرتكبها، وتنعته بأقبح نعوت الفجور، والخروج على العادات، والدين، فكم كتاب عورض، وطلب احراقه، وهدد صاحبه بأشع أنواع الوعود، ووصف بأبشع الصفات



أخي القارئ لحل هذه الأمور التي في غاية الغموض، والشناءة، لا بد لنا من النظر في بعض النقاط الهامة، التي توضح لنا سبل المعرفة، وتسهل علينا الوصول إليها، وتحول بيننا وبين المغرضين، الذين تتولد لديهم ردود الفعل ضدنا، عند ما يجدون علينا أخطاءاً وقعنا فيها في بعض كتاباتنا، وهذه النقاط التي يجب علينا معرفتها، ودراستها، من كل جوانبها الإيجابية والسلبية، هي:
1- أن نعلم علم اليقين أن الكتب التي عورضت، وأعني منها ما هي واردة في حيز أهدافنا الكتابية، جميعها لم تعطى حقها من التدقيق، والتصحيح، والتنميق، وأعني بحيز أهدافنا هو ما كان بعيداً عن السياسة، والهجاء، والأغراض المحايدة عن الصواب، والتي تشبه الجدلية، أو الضرورية، والتي لا يستطيع أحدٌ أن يحكم بها عقله، ومرئياته الخاصة، لأنها لا تعني الجميع، بل تعني أشخاص دون من سواهم، ولا يعتمد بها على الانصاف والعدل، والمصداقية، لأنها لا تسند لفاعلٍ بعينه، حتى يلام على ما فيها من أخطاء أي أن كان نوع هذه الأخطاء، بل تفوض بها الأمورإلى الجهلة، سواء كان هؤرلاء الجهلة جند أو اعلاميين، أو شعراء هجاء، ومن ثم لا يحاسب أي من هؤلاء على ما وقع منه من أخطاء، تعتبر ظلماً، أو شركاً، أو أجحاف بحق أحدٍ، او تجاوزاً على حقوقه، أو خصوصياته، أو نحو ذلك، ولا تجد من يقول هذا خطاء أو ظلماً لأن الأمر غير خاضعٍ للنقد، ولا للتمييز بين الحق والباطل ، وهذا النوع من الأدب أو المكاتبات، أرى أنه مكن الضرورات الإنشائية، التي لا يعاب عليها فاعلها، في حين أنها غير شرعية، ولا من العادات والأعراف بشيئ
وإنما اقصد بحيز ما نتداولة في كتاباتنا، ويجد بعض المعارضين مننا، ما كان متعلقاً بالتراث من القصص والأشعار، من كتاب أبطال من الصحراء، أو ما كان الغرض منه تعليم اللغة، والمصطلحات والعلوم العامة مثل معجم الشامل، وهذان الكتابان وجدا معارضة شديدة، ما كان يجب أن تحصل لو كان هناك وعي في معرفة العادات الطيبة، التي كانت هدف كل شريفٍ ومخلصٍ تجاه دينه، وقوميته، ولا إلمام بمعاني اللغة، ومدلولاتها، التي يجب فيها الربط بين اللغة العامية، والفصحى


أخي أن النقد الذي يوجه إلى الكتاب، حسب ما اطلعت عليه، وعرفته ليس نقداً بناءاً بل هو معول هدم، وهجاء إلى يذهب فيه إلى توضيح الحقائق، بل ينظر به من منظورٍ أعور، لا يراعي حقوق الغير، ولا يبرأ من الظلم، ولا يؤمل بها ايضاح غموضٍ، ولا نشر علمٍ صالحٍ لكل زمان ومكان ، لأنه لا يصدر عن مؤلفين، لديهم معرفة وخبرة في الوقوع بالأخطاء، بل يصدر من أشخاصٍ غير مؤهلين للتأليف، ولا المعرفة الواسعة، التي تتصف بالشمولية، والاعتماد على العلوم الشرعية، التي تصلح ما بين كل كطرف وخصمه، لهذا يجب أن لا نعتبر الهفوات عائقاً للتأليف، والكتابات المفيدة،ولا نعتبر كل ناقدٍ أو معارض مرجعٍ علمي، نعتمد على أقواله، ونحتفظ بها، ونحنُ نعلم إنه غير مسؤولٍ عما يقول أمام الله وأمام خلقه، لأنه غير مؤهلٍ نفسه، للحكم على ما يفيد بالاصلاح بين الناس،
بل هو مجرد محامٍ نزعت به حمية الجاهلية، وغيرته على قبيلته أو دينه، من باب معرفته الشخصية، فحكم على من هو أكثر منه علماً، وأحفظاً للحك، والعلوم المأثورة، التي تعصم صاحبها من الوقوع ببعض الأخطاء، وأوفر عقلاً، وأكثر غيرةً على دينه، وتراثه، ولكنه إنسان عرضةً للأخطاء
فإذا علمنا ذلك، وكان في وعينا، وإدراكننا ما يقع من هؤلاء وهؤلاء، وجعلنا الأغراض الكلامية معياراً نقيس به النوايا والأهداف، ومستويات أصحاب هذه الأغراض ، لا بد من أن نكون على ثقة، من أن الخطاء لا يعيب الموضوع ولا صاحبه، سوواءاً كان تالموضوع ضمن كتابٍ، أو موضوع ضمن صحيفة، أو منتدى، لأننا نعلم بأن الأعمال بالنيات، وإن الله لا يؤاخذنا باللغو من القول، ولكن يؤاخذنا بما اجترحت أيماناً




فأعلم ذلك أخي ولا تظنني أعارض من يعارض ولكنني أبين الأخطاء، التي يجب تفاديه، أما المعارضة فلا أرى بها بأساً، لأنها تظهر قصد صاحبه، وتبين رأيه من الموضوع، وأنا مع المعارض ولستُ ضده، فنحنُ بطبعنا نبحث عن أخطأنا لنصلحها، لا نبحث عن أخطاء غيرنا، لنحكم عليهم بالأخطاء دون من سواهم، ونبرئ أنفسنا من الوقوع بالأخطاء، وأعلم أخي إنه لم تدون الكتب، وتحفظ الحكم والروايات إلا لتفادي الأخطاء، وإننا جميعاً نكتب لنصلح أخطاءنا جميعاً، ونقد الأخطاء ومعارضة صاحبها أمر مطلوب، ولكنه يجب أن يترك لمن لديه معرفة، في اصلاح الخطتاء، لا يترك لمن لا علم له بالاصلاح



2- أن يكون على علمٍ من أن جميع ما نكتبه له معنى في القرآن والسنة، وإن التراث الذي لا يخدم الدين لا يعني لنا شيئاً، ولا يغني عنا شيئاً، فلا نكتب إلا ما يخدم ديننا، قال الشاعر:
وما من كاتبٍ إلا يسيفنى=ويبقي الدهرُ ما كتبت يداهُ
فلا تكتب بيدك غير شيئٍ=يسرك في القيامةِ أن ترهُ
3- إن نعلم إن السبيل الأوحد للكتابة، هو تعلم اللغة العربية الفصحى، التي هي ميزان اللفظ العربي، الذي له في بعص المفردات عدة أشكالٌ، تعرف به عند قومٍ، وتجهل عند آخرين، مثل على سبيل المثال
لا الحصر، كلمة ( هكذا )، حيث تستخدم في اللغة العامية، بأشكالٍ غير فصيحة، ولا يعتمد عليها كلغة موحدة موثوقة الدلالة، فمن أشكالها التي تستخدم فيها ( هيك )، و( هاك )، و( هكي
وكذلك كلمة ( هنا )، حيث نستخدم عامياً بشكلٍ غير شكلها الفصيح، ومن أشكالها المستخدمة، ( هنيه )، و( هنياه )، و( هنيا )، و( هون )، ومن الكلمات التي لا تستخدم على صورها الفصيحة ( يتنى ) وفصيحها ( يتأنّى )، و( يستأنّى )، وهناك العديد من الكلمات العامية التي تفتقر إلى تصحيحها، وبإعادتها إلى شكلها الفصيح، مثل هذه الكلمات السابقة، وهذا التصحيح
الذي يلزمنا لإعادة بناء هذه الكلمات إلى صورها الصحيحة، لا يعيب استخداماتها الحالية، بل نعتبر هي المرجع والأساس لمعرفة ما يقابلها بالقواميس والمعاجم التي تهتم بحفظ المفردات العربية، بشكلها
الفصيح، فإن معرفتنا المسبقة لمعاني هذه الكلمات، إذا ما أضفناها إلى الشرح لأصولها يزيدنا ثقةً بصحة فهمنا للمعاني القاموسية، بشكل أقوى وأوثق من أن نكتسب معرفة معانيها من الشرح فقط



4- أن ننظر إلى تعلم قواعد اللغة العربية، وأسرار البلاغة، بأنها هي المفاتيح التي نستطيع بها فهم معاني ديننا، وبدونها لا نستطيع شرح المعاني القرآنية، ولا اللغة الفصحى المدونة، بلغة أهلعصرها، ومنها قصص السلف الصالح مثلاً، والأشعار الفصيحة القديمة وكل ما نعتبره من الموروث العربي المأثور، لا لأن اللغة الفصحى هي لغتنا كعرب، نستطع استخدامها، بل لأنها الطريق المسقيم، الذي يمكن للجميع أن يسلكه، لأنه موحد، ومعرف، فننظر إلى هذه اللغة الفصحى على أنها الميزان للمفردات التي نستخدمها، وإلى العامية على أنها لغتنا المتعارف عليها، التي لا يخطئ بعضنا بعضاً في استخدامها، لأنها معروفة عند الجميع، ولكنها تفتقر إلى التوحيد، والإعادة إلى الأصل المشترك عند جميع العرب


أخي لا نستطيع فهم تراكيب الجمل في القرآن مثلاً إلا بعد دراسة اللغة العربية، ومعرفة جميع أصولها، وقواعدها، وأوزانها وأغراضها، حيث يبدو لنا ما ليس بحسبان من يستخدم اللغة العامية فقط،من استخدام الفعل المضارع بدل الحال، ومن استخدام اسم الفاعل بوزن الصفة المشبهة باسم الفاعل والعكس بالعكس، ومن وضع الإنشاء الخبري بصورة الطلبي، وغير ذلك من التراكيب العجيبة، والغريبة، التي يحيط بها الغموض والاعجاز اللغوي، فهي لغة التخاطب بما يخص المعاني الباطنية لا العلنية



5- أسرار البلاغة: هي لغة معانيها لا تعرف بطريقةٍ مباشرةٍ، وتختص بالتخاطب غير مباشر المعاني حول ما هو خفي وباطني من القضايا الإنسانية، هذه المعاني التي لا يستطيع المرء التصريح بها، انظر بعض المقالات حول التي تتضمن مواضيعاً خاصة بمثل هذه المعاني، والتي الغرض منها التعريض درءاً لما ينتج عن التصريح من عواقبٍ سيئة، وتحاشياً للكذب،
الذي هو إثم على صاحبه، والإثم حجة فاعله وليست حجة له
أخي لغة الاعجاز في القرآن هي اللغة الحضارية، التي تصلح لكل زمانٍ ومكان، وذلك لأنها تقف عائقاً في سبيل اتخاذ الذرائع الكلامية الباطلة، التي يرتجلها الجهلة، والجاهلية ضد الإسلام، لأن الجاهل عدو نفسه، ثم هو عدو لغيره، وحججها عادةً تأتي نتيجة غضبه وتهوره، وتسرعه بالأقاء الكلام على عواهنه، دون أن يكون لديه أي استعدادٍ يواجه به الحجج التي يعارضه به
من تولدت لديهم ردودٌ فعلٍ ضده، واعتبروه مخطئاً بحقهم أو بحق غيرهم



والمعرفة التي تبنى على علمٍ يعتمد على سعة اطلاع، وعقلانية فردية، وشخصية مستقلة، لا تتفق مع خوض الخائضين، ولا تنساق وراء الشهوات والأطماع الدنيوية الدنيئة، تضمن لصاحبهاالأسلوب الأدبي الراقي، الذي لا يجد إليه سبيلاً للطعن فيه، وإذا طعن به فلا يجد من يطعن به حجة مسلم بها، يرضي بها العقلاء، وعلماء الشرع، فهو مجرد منكرٍ لما يجهله، والناس أعداء ما جهلوا



6- اللغة العامية هي لغة تعاملنا، فيما بيننا في جميع تعاملاتنا التي تتم على سبيل المشافهة، ولكنها ليست لغة التخاطب، والتدوين، ولا الحكم والنصائح، ما عدا الأشعار، وبعض القصص، فاستخدام على نطاقٍ شعبي ضيق، قد آن الأوان لاستبداله بلغةٍ أكثر اتساعاً وتعميماً، وهي اللغة الفصحى حتى وإن كانت بشكل مبسط، ولكنه لا تمنعه البساطة والوضح غالباً من الإرتقاء إلى مستوى الحكمة والبلاغة 0
7- اللغة العامية، هي اللغة الحقيقية غير الخاضعة للملل والأديان، لأن عمادها الصدق والشرف، والوفاء بالوعود والمواثيق، على سبيل المشافهة، بعيدة عن السياسة، ولغات التطرف، والطائفية المللية، ولكنها تفتقر إلى أساليب العلم الحضاري، الذي يعتمد على اللغة الفصحى، التي تجمع بين الأديان، وتعرف بسجايا الأشخاص المحمودة، والمذمومة، وتنصف أحوال الحلال من الحرام، وتميز بين أنواعها، وبين الحق من الباطل، وتحتوي على الأدلة الشرعية، التي تورد الأدلة والبراهين القاطعة، التي توضح هذه الأمور المتباينة نفياً أو إثباتاً
8- اللغة العامية، لا تحدد ولا تعين مكارم الأخلاق، وإنما تطلق عليها العلوم الطيبة، ولا تعرفها تعريفاً منطقي، ولا عقلاني، وإنما تعتبرها هي العاداتالسائدة، فهي تعرف بالعادات، لا تعرف عقلاً، ولا اطلاعاً، ولا يعرف لها أضداد، من السجايا، التي توضح أضدادها، ولا المبطلات الشرعية، التي يوجد لها في الفصحى نصوص تبينها، وتشهد ببطلان باطلها، أو بصلاح صالحها، فيما يقع على الأغلب تحت مسمى العيوب الشرعية،
والتي هي ضد مكارم الأخلاق الفاضلة


أخي القارئ طالب العلم النافع، إن هنالك سؤال يطرح نفسه، في مجال تعلم أسرار البلاغة، والتعاليم القرآنية، التي اختار الخالق لخلقه، والذي لا خيرة لمخلوقٍ إلا ما اختاره له هو، الذي خلقه من عدم، وهو القادر على كل ما يعنيه، وهذا السؤال، هو:
1- ماذا نستفيد من الفصحى في طلب الحقوق، ومخاطبة من لا نستطيع التصريح لهم بما في أنفسنا ؟
1ج: أولاً: قال تعالى ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، وهذا الدليل الشرعي لا يترك مجالاً لمن أراد غيره مجالاً للجدل، والحوار الهام، أي لا حوار بالقوة، ولا بالتعنيف، ولا بإظهار عيوب الغير، وكشف مساوئ أفعاله، بشكلٍ يفضحه، ويدل على ميله، وبعده عن العدل، واباع الحق والانصاف الذي يرضي الله، لأن هذه الأمور وما شابهه، لا تزيد أعداء الله إلا عداء لمن جادلهم، وطغياناً، وتمرداً على السفسطة، وإظهار الباطل في مظهر الحق، والحق في مظهر الباطل، لعدم الاذعان لصوت الحق، والحب في الله والبغض فيه، ولكن الكلام اللين يأخذ الحق البين، وتبيين الحق يحتاج إلى صبر ومثابرة، ومعرفة واسعة في أساليب الحوار والمناقشات، التي تتبلور من خلالها الفكرة، وتتضح المطالب وتنضج الزبدة، ويراها الجميع، دون إثارة حماسٍ جماعيٍ، ولا تأليب شعبية، أو تهييج مشاعرٍ أي إن كانت هذه المشاعر



ثانياً: نستفيد أن نبلغهم ما في أنفسنا، كي لا يكون عدم تبليغنا لهم حجة علينا عند الله

ثالثاً: نعيد أنظار الناس إلى الحب في الله، والبغض في الله، وإن كل ما خلا الله باطل، حتى لا يكون للظالم حجة من نفسه لنفسه في فعله للباطل، ضدنا أو ضد غيرنا، لأنه تعرّف عنده الباطل بصورةٍ جلية، وكذلك الحق، فلم يجد أمامه إلا الاصرار على رأيه القديم، وهو يعلم إنه يفعل ما يفعله ضد نفسه، وفي سبيل معاداة خالقه، وعدم الئتمار وبأوامره، والانتهاء بنواهيه
أما الخلق متى تعرف لهم ضلال الضالين، وهدى المهتدين، فإنهم لن يسلكوا مسالك الضلال، وهم يعوا ما يفعلون، ويدركون أبعاد ما يؤول إليه، من عواقب تسيئ إلى دينهم، ودنياهم، فيتذكرواإن خير الخلق من تعلم وعلم، أي تفقه بأمور دينه، حتى يفقهها، وعلمها من يجهلها، بطريقة علمية تسند على التعاليم الإسلامية محمودة العواقب، سليمة النوايا، والأهداف، ويخاطبون
من قست قلوبهم، وماتت ضمائرهم، وتعدو على حقوق الغير، من أكل الأموال، أو هتك الأعراض، أو غير ذلك من أنواع البغي، والتطاول، والغطرسة التي تفقد الإنسان وعيه، الذي يعي به التمييز فيما بين الحق والباطل، ليعرف ما له، وما علية



رابعاً: قال الرسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن من البيان لسحرٌ، وإن من الشعر لحكمة )، هذا الحديث الشريف وأمثاله من الأحاديث، تكاد تكون مهملة عندنا، لأننا لا نعي ما هو السحر، الذي يأمرنا به رسولنا، رسول الهدى، والرشاد، وفي تعلم أسرار البلاغة نجد ما يعني هذا الحديث، من إن في الكلام البيّن، الواضح، الذي يشبه السحر، في إنه لا يجد ما يغلبه حجةً، ولا دليلاً،ما يجعلنا نفضي بما في نفوسنا تجاه، من يفعلون ما يشبه السحر، إن لم يكونوا يسحروننا، بطريقة غير مباشرة، فنبلغهم صور أحوالهم، التي تفضح أسرارهم، وبتصويرٍ كلامٍ بليغٍ يلجم كل مخالفٍ للحق بلجام الحقيقة البيانية، التي تشبه الشمس إشراقاً، وحرارةً، ويشبه كل باطلٍ تحتها جبال الثلج الجليدية، التي لا تلبث أن تذوف، وتسيل وتضمحل شيئاً فشيئاً، حتى تختفي عن الوجود
خامساً: نعلم علم اليقين أن اللغة العامية حجة على صاحبها، ودليلاً قاطعاً على ركاكة أسلوبه، وسطحية مفاهيمه، وقلة اطلاعه، فلا تجد من القيمة، والقدرة ما يمكن أن يؤمل باللغة الفصحى، التي تتسم بالبلاغة، وسعة المعرفة، ومزيد المعلومات،وخصب الخيال، وغير ذلك من أنواع المعارف التي تؤهل صاحبها بأن يتولى قمة المنطق، الذي هو ميزان الفقه، والعلوم النافعة


سادساً: أذكر إن للملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ال سعود قال في أحد اجتماعاته في علماء دولته ( لعن الله من كان عنده رأي يراه صالحاً، ولا يبلغه للملك عبد العزيز خائفاً من عبد العزيز،أو مستحي منه )، أو ما بمعنى هذا الكلام إذا لم أكن مورداً للنص نفسه، وهذا يعني إن الملك لم يقل ذلك إلا إنه على علمٍ من أن هناك من شعبه من لديه رأي أو أكثر من رأي ولكنه، يخشى أن يكون لرأي عواقب سيئة عليه، وهذا الأمر صحيح، فالرأي لا يقتصر على المصلحة العامة، كما يخيل إلى الجميع، ولكنه ربما كان يطلب به مصلحة شخصيةً في ظاهرها، فلا تلبث أن تصبح مصلحة عامة،
في صالح الدولة، وفي صالح الشعب ككل، ومثل هذه الأمور لا يستخدم بها الأسلوب العامي، وإنما يستخدم بها الفصيح البليغ، الذي يزيل الشبهات، ويوضح الحقوق بشكلٍ سليم المقاصد، ولعلك معي أخي في إن الحق الخفي يسبب خصومة تشبه العداوة التي تظهر بين الطرفين، ويتضح للجميع أسلوب النزاع بين الطرفين المتخاصمين، حتى وإن كان هذان الطرفان أخوين، لأن


كل منهما ينكر حق صاحبه عليه، وكأنه ينكر ما بينه وبينه من علاقته، ومعرفة مسبقة، في كل الأمور، لأجل مطلبٍ واحد، لأن الأمر أمر مخاصمة ومحاجة، مما يخلق بين المطالِب والمطالَب نوعين من الانكار، والإلزام لمن انكر بما يستحقه الآخر عليه، وهذه الحالة تتطلب قاضي يقضى بين الطرفين المتخاصمين، فكثيراً ما نسمع أو نرى بمعاريض تظلم، ومطالبات بحق له نوعية معينة من المطالبات، أو بغيره، فيحول الطلب إلى جهات ذوات اختصاص، أو يشكل له لجنة مختصة تحاول فك لغز الموضوع، واستنتاج النتائج المطلوبة من مراد المطالب، بطريقة التحقيق والاستجواب، وهذه الطرق ربمالا تصل إلى نتيجة مرضية لدى المتظلم، لأن مطلبه غير واضح، أو لأنه صعب المنال، عندما يكون الموضوع يتعلق بأكثر من طرف، كأن يكون فيه عدة أطراف، يصعب ارضاؤهم، لأن في تعدد شخصياتهم، تباين في القرب والبعد لدى الحكومة، التي لا تحضر، وإنما يمثلها من لا يمثل نفسه، لأنه يجد نفسه محاطاً بذوي سلطات ونفوذ يعرضون عليه شفاعاتهم بطريقة عامية، غير علمية، فيحرجوه المسؤول أو القاضي، فتفتقر القضية إلى الحقيقية، وتغيب الصراحة، ويسلك القاضي مسلك التمويه للحقائق، مبرراً فعل ذلك لننفسه بأنه من نوع الضرورات التي تبيح المحظورات، وإن المسالة مسالة سياسة غير شرعية، بحسب خبرته في مثل هذه القضية من قضايا قد سمع بها، بأن السياسة والقانون فوق كل شيئ، فيحتج لنفسه بأنه موظف فحسب وليس مصحح للوعي لدى المسؤولين الذين أن خالف تحقيق مطالبهم، كان في موقع المعادي لهم المحتقر لوجاهاتهم، فهو عرضة للخلع من منصبه، أو لنقله لمكان لا يريد أن ينقل إليه، أو غير ذلك من المكافاءت التي يستحقها على رفضه لمطالب الواسطات، هذا الأمور وأمثالها من الأمور الشائكة، تحتاج لوعي مسبقٍ، واسع الانتشار، مسموعٍ ومقبول، لاليس بحاجةٍ لقاضي، ولا لجنة، ولا لشفاعة شافع، بل من الحكومة مباشرة، حتى إذا ماكانت الاحالة إلى الدوائر ضرورياً كانت هناك لدى المطالب أسلوباً كلامي بليغ يستطيع كشف ملابسات المعارضات التي تعيق مطالبه، أخي لا يذهب فكرك بعيداً، فهذه الأمور وما شابهها لا تحتاج لغضب، ولا لاقامة خصومة، وإنما تحتاج لوعي سبل المطالبات والخصومات، فتحاشي الخصومات، بكلامٍ حسن المنطق، لين العبارات، واضح المعاني، خالٍ من إثارة الحزازات، أو النعرات، وغير متعلقٍ بحقوق الغير، أو مسقطٍ لقيمهم، بل هاديٍ للخير، دافعٍ للباطل، كاشف لكل غموض، أو احتمال لظهور تعارض أو أي معوقات



في مثل هذه الحالات ألا ترى أخي القارئ أننا بأمس الحاجة إلى خطابٍ فعالٍ، يحيي الضمير الميت، ويوقظ الوعي الذي يبغط في سبات عميق، سببته له الغلة عن العلم النافع، الذي يخدم المصلحة، العامة، فهو بحاجةٍ لمن يجعله تنقشع عنه غيوم الغيبوبة، ويتخلص من قسوة القلب، وموت الضمير، ويخشى الله كما يجب أن يخشاه، فلا يغيب عن ذاكرته ( إن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وأفقهم لدين اللهفيحافظ على نعمة التقوى، التي تسلك به مسلك السراط المستقيم، وتهديه إلى سبل النجاح والفلاح، ويصحو من دلاله، وثقته العمياء التي يعاني منها في محيطه الجاهل، فلا يرى ذلك المحيط كما كان يراه،من القدرة، والعرف بل يرى بعين مجردة من الاحساس بالحاشية، وما تراه، وتعامل به معه، أو مع شعبه مثلاً، عند ما يشعر أنم الحق أحق من غيره، وأن للأمر لله، وإن الله لا ينصر إلا من ينصره، وما للظالمين من نصير ولا ظهير
أخي الأساليب والعبارات المستخدمة في مثل هذه المواضيع، كثيرة ولا يمكن ذكرها هنا، وإنما يمكن لمن أحب الاطلاع عليها، إن يقرأ علوم البيان ( البلاغة )، ويبتعد عن المآرب الدنيوية الدنيئة، ويجعل
همه رضاء الله، ولا يندم على ما فاته، ولا يتحسر مما هو فيه من خصاصة، وفاقة، ولا يحسد غيره، على ما أنعم الله عليه به، ويتذكر أن الدنيا حظوظ والآخر حسن عمل، وإن زود الدنيا غالباً ما يكون


نقصاً في أعمال الآخرة، التي ترضي الخالق، لم لا وأنت ترى أصحاب الأموال، أو المناصب الذين يرفلون بها، وينظر إليهم الكل بعين الاحترام، الذي ربما بلغ الشرك، لأن الجميع لا ينكر عليهم منكر،
ولا يعيب عليهم عيب، وتظل أعناقهم مرفوعة يزهون في فخر حالهم، التي يرون به زودهم على من سواهم، ولكنك لا ترى منهم أي حسنة ولا ذكراً حسن إلا على سبيل الرياء واشاعات فعل الفضل،
حتى وإن كان بغير محله، أليس علمك لهذه الأمور أغنى لك من مطالب الحقوق الدنيوية، ألم يكن فقهك بهذه الأمور وغطرسة الآخرين بفهمه، أفضل مما يملكون، ألن تقرأ قوله تعالى ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون )، ولم يقل الذين هم أغنياء والذي غير أغنياء، وهل تذكر أن تاجر ذكر بغير بعد موته، أو طاغيٍ حمدت أفعاله إلا ريثما ما كان حياً
أخي القارئ هل فهمت ما أريد بهذه المقارنة بين العامية والفصحى، التي تتسم بالبلاغة، والتعريض، أم أبين له لك أكثر، أخي إن من أهم فوائد على العلم البلاغي إن المطلع، يتخذ لنفسه مساراً منفرداً،
محايداً عن مسالك الضلال، التي يؤدي إليها جهل أهلها بما لهم، وما عليهم، وعدم اتضاح الرؤية لهم، فلا يستطيعون معرفة ما لهم وما عليهم لأنهم لا يحكمون عقولهم، بمعرفة الحق من الباطل، بل يعتمدون على القضاء بمعرفة العلوم كلها، وهذا سلوك غير سوي لأن القضاء يعني دراسة القضاة للعلوم الشرعية، فكأنهم هم المعنيين بها دون سائر الخلق، وكأن العلم لم يكن فرضاً على كل مسلمٍ ومسلمة، وإن العلم مقدمٌ على العمل، فعمل بلا علم لا يعتبر عملاً متقنناً صالحاً لمراد منه، وهو بغير علمٍ بما يتطلبه ذلك العمل ممن يعمل فيه بغير علم بما يصلحه أو يفسده، وكان من واجب كل مسلم إن يتعلم المفاسد، ويدرأ سبل وصولها إليه، قبل أن يسلك مسلك جلب المصالح، التي يتستجلبها بواسطة أعماله، التي هي أقواله وأفعاله، وما أجدر كل طالب علم إن يعمل بقوله الله تعالى ( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله، وعمِلَ صالحاً، وقال إنني من المسلمين )، وما أحوجه إلى أن يرشد إلى ما يفيد غيره بدينه، ودنياه، بنظرة شموليةٍ خاليةً من المواربة، والمحاباة، والعنصرية الجاهلية، وإثارة الحساسيات المغرضة الهوجاء، التي شرها اكثر من خيرها