صور: محطات الغموض في رحلة حياة فيدل كاسترو

يعرف فيدل كاسترو الذي توفي يوم الجمعة 25 نوفمبر عن 90 عاما بأنه الرجل الذي أدخل نصف الكرة الأرضية الغربي في الحرب الباردة منذ عام 1959، ومن ثم تحدى الولايات المتحدة الأميركية لقرابة نصف القرن، معاصرا 11 رئيسا أميركيا، ومسببا لهم الإزعاج، كما أنه الشخص نفسه الذي دفع العالم إلى

حافة الحرب النووية.وبصحة متدهورة منذ سنوات، فإن كاسترو ظل يقود ويدبر ما يأمل أن يكون استمرارا لثورته الشيوعية منذ أن تنحى في عام 2006 لأخيه الأصغر راؤول كاسترو البالغ من العمر الآن 85 عاما، وأعقبها بعامين أن أعلن استقالته رسميا من رئاسة كوبا، وقد قاتل معه راؤول منذ سنوات الانتفاضة الأولى، وبقي وزيرا للدفاع وأقرب الناس إلى كاسترو، والذي أكد للشعب الكوبي أنه يرغب في الاستقالة في 2018. المسيح والحمائم حكم كاسترو لأطول فترة في العالم ولم يضارعه أو يتفوق عليه إلا الملكة إليزابيث الثانية، وأصبح شخصية لا يمكن تجاوزها في القرن العشرين، وهو يحكم الجزيرة الكاريبية التي يقدر سكانها بحوالي 11 مليون نسمة بعد أن سيطر على البلاد بقوة وأصبح رمزا منذ دخوله الشهير لهافانا العاصمة منتصرا في 8 يناير 1959 بعد أن أطاح بالديكتاتور فولغينسيو باتيستا، حيث ألقى خطابه الأول أمام عشرات الآلاف من المعجبين في القصر الرئاسي للرئيس المعزول.وقد سلطت الأضواء عليه حيث ظل يلقي خطابه إلى الفجر متبخترا قبل أن يطلق مجموعة من حمائم السلام البيضاء ليعلن عن مرحلة جديدة في كوبا، وعندما جثمت واحدة منها على كتفه فقد صاحت الجماهير: “فيدل.. فيدل”. وكانت بالنسبة للكوبيين الذين أنهكتهم الحرب هذه الإشارة المثيرة، علامة على أن زعيم حرب العصابات الملتحي قد أعد ليكون منقذهم.ولم يكن من أحد يعرف ما الذي أعده كاسترو لمستقبل بلادهم، ففي مزيج بين الصورة الحقيقية والأسطورة كان كاسترو نفسه يعتقد أنه مسيح أرض الأسلاف، قوة لا غنى عنها مع سلطة قادرة على حكم كوبا وشعبها.وقد أمسك بزمام الأمور مثل طاغية، مسيطرا على كل شيء في الجزيرة الكوبية تقريبا، وأصبح “الكل في الكل” حيث دافع من فوق دبابة عن بلاده في حرب خليج الخنازير، وكان عليه أن يختار كل شيء من اختيار لون الزي للجيش الكوبي المقاتل في انغولا بإفريقيا، إلى الإشراف عن برنامج لإنتاج حليب الأبقار، وهو الذي حدد بنفسه برنامج حصاد قصب السكر، والذي بعث كذلك شخصيا ما لا يحصى من الرجال إلى السجن. معجبون وناقمون! لكن هناك ما هو أكثر من القمع والخوف والحكم الشمولي ما جعله يبقى لأطول فترة في حكم البلاد، فقد كان له بقدر المنتقدين، المعجبون الكثر في كوبا وخارجها، ففي حين رآه البعض الطاغية الذي سحق الحريات والحقوق، كان على الوجه الآخر من هم على شاكلة أولئك الجموع الذين احتشدوا له في الليلة الأولى باعتباره بطلا ثوريا لأبد الدهر.وحتى عندما سقط مريضا في صيف عام 2006، وقد تخلى عن معظم صلاحياته للمرة الأولى، حاول كاسترو أن يملئ تفاصيل برنامج علاجه والرعاية الطبية بما ينسجم مع ثورته الشيوعية منخرطا في الأنماط البالية نفسها.وقبل تسليم السلطة لشقيقه راؤول، أثار كاسترو حنق أعدائه في واشنطن مجددا، حيث أدان المسؤولون الأميركيون عملية انتقال السلطة في كوبا، أنها تكرس للديكتاتورية وأنها من جديد تضاعف معاناة الشعب الكوبي وتحرمهم من حكم أنفسهم بأنفسهم.ولكن في عام 2014 استخدم الرئيس الأميركي أوباما سلطاته التنفيذية لينهي عقودا من القطيعة بين البلدين، بالسماح بتبادل السجناء بين هافانا وواشنطن، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، بعد أن عملت صفقة سرية في محادثات بين ممثلين للجانبين، استمرت لـ 18 شهرا بعون البابا فرانسيس، على الخروج من عنق الزجاجة للطرفين.وعلى الرغم من ضعف كاسترو صحيا وعدم ظهوره أمام الملأ فقد أبدى عدم ثقته في الاتفاق الأميركي، فبعد عدة أيام من زيارة أوباما إلى هافانا في 2016 وهي أول زيارة لرئيس أميركي منذ 88 سنة، فقد صاغ كاسترو ردا غريبا على مبادرة أوباما بقوله إن كوبا لا تريد أي عون من الولايات المتحدة الأميركية. حرباء أم ديكتاتور؟! للكثيرين فقد كان كاسترو مهووسا ومتعصبا مؤمنا فقط بمبادئه وغير قادر على الانعتاق منها، كالحرباء التي تتلون مواقفها في السياسة والاقتصاد بناء على البراغماتية أكثر من اللون الديكتاتوري، وإن كان في قرارة نفسه قد تخلص من قلب المتمرد الكبير، حيث كان يؤمن في البداية أن كل عمل يجب أن يكون ثوريا.وربما كان كاسترو أبرز أو أهم زعيم يخرج من أميركا الجنوبية منذ حرب الاستقلال في مطلع القرن التاسع عشر، وهو أوضح مُشكّلي تاريخ كوبا الحديثة منذ سلفه وملهمه “خوسيه مارتي” الذي ناضل من أجل الاستقلال في القرن التاسع عشر.وقد عملت ثورة كاسترو على التأثير في المجتمع الكوبي وكل الإقليم أكثر من أي انتفاضة أخرى طوال القرن العشرين مع احتمال استثناء الثورة المكسيكية في عام 1910.وقد شكل إرثه في كوبا وفي أماكن أخرى على المزج بين التقدم الاجتماعي والفقر المدقع، مع المساواة العنصرية والاضطهاد السياسي، بدرجة قد تماثل ما كان عليه الوضع من بؤس، عندما جاء الرجل للسلطة لأول مرة في عام 1959 كقائد حرب العصابات المزهو بالانتصار. الصورة الأولى والأخيرة! هذه الصورة الأخيرة التي هي جعلت منه رمزا للثورة في العالم ومصدر إلهام لكثير من مقلديه، كهوغو شافيز على سبيل المثال الذي يشكل كاسترو عرابه الأيديولوجي، أو ماركوس الذي بدأ تمردا في جبال المكسيك سنة 1994 مستخدما تكتيكات كاسترو نفسها في انتفاضة الفلاحين الفقراء. وحتى أداء كاسترو كهرِم أتوقراطي مسؤول عن الانهيار الاقتصادي في كوبا، لا يمكن أن تقوض صورته الأولى والراسخة.ولكن خلف كل شيء، فإن هواجسه من أميركا وتقابلها الهواجس الأميركية منه، هي التي شكلت سياساته، فبعد أن اعتنق الشوعية كمبدأ للحكم، فقد وصفته أميركا كشيطان ومستبد وحاولت إزاحته من السلطة من خلال الغزو المشؤوم لخليج الخنازير في سنة 1961 والحصار الاقتصادي الذي استمر عشرات السنين، وسلسلة من مؤامرات الاغتيال والخطط الغريبة لتقويض عظمته بجعل لحيته تسقط على الأرض. رسم الصور الذهنية لقد حوّل تحدي كاسترو للولايات المتحدة إلى مثال للمقاومة في أميركا الجنوبية ومناطق أخرى من العالم، مع مظهره باللحية الكثيفة والسيجار الكوبي الطويل والبزة العسكرية الخضراء، التي أصبحت جميعها رموزا للتمرد.وقد كان كاسترو يدرك قوة تأثير الصور الذهنية، خاصة في شاشات التلفزة، وهذا ساعد على ولاء الكثير من الكوبيين له في أقسى الظروف، عندما كل داء ينسب إلى الحصار الأميركي وسياستها الاستعدائية.كذلك فإن إتقان الرجل لفن الخطابة ولساعات طويلة في بعض الأحيان، فقد ساهم ذلك في تشبع مواطنيه بكراهية أميركا وهم في ترقب دائم لغزو قادم من الشمال الأميركي، ثقافيا كان أم عقائديا أم سياسيا أم اقتصاديا.وعلى مدى سنوات طويلة أجرى كاسترو مئات المقابلات الصحفية التي كان قادرا فيها على تحويل دفة الأسئلة الأكثر إحراجا لصالحه، ففي عام 1985 سئل في مقابلة مع مجلة “بلاي بوي” كيف يرد على ريغان الذي يصفه بأن ديكتاتورا عسكريا لا يرحم، فأجاب: “دعنا نفكر في السؤال. فأن تكون ديكتاتورا هذا يعني أنك تحكم بواسطة مراسيم، كما يفعل بابا الفاتيكان”.وعكس السؤال على ريغان بقوله: “سلطته تتضمن ما هو غير ديمقراطي بشكل مخيف من التآمر لإعلان حرب نووية مثلا، وهنا أسأل من هو الأكثر ديكتاتورية، رئيس الولايات المتحدة أم أنا؟!”. نهاية السوفيت.. والتحديات بعد أن استطاع إزاحة النظام وهو في الثلاثينات من عمره فقد عمل تحالف كاسترو مع الاتحاد السوفيتي سابقا، على دعم الحركات الثورية في القارة الإفريقية وجميع أنحاء أميركا اللاتينية.وقد أدى استعداده لتلبية رغبة السوفيت لبناء قاعدة للصواريخ في كوبا، لمواجهة مروعة دبلوماسية بين الطرفين الشرقي والغربي في خريف عام 1962 والتي كان يمكن أن تقود إلى صدام نووي. وظل التوتر قائما لـ 13 يوما حيث تم تفكيك منصات الإطلاق السوفيتية في كوبا.مع تفكك الاتحاد السوفيتي سنة 1991 فقد واجه كاسترو واحدا من أكبر تحدياته، حيث بقي مقاوما مع انتفاء المعونات الضخمة من الدولة الشيوعية، واستمر في سياسة التحدي للولايات المتحدة، بل ظل يتوعدها.ومع وصول الاقتصاد الكوبي حافة الانهيار، فقد رضخ إلى الاعتراف بالعملة الأميركية، التي طالما شجبها بشدة منذ الخمسينيات لكنه عاد لحظر الدولار من جديد، بعد بضع سنوات عندما استقر الوضع الاقتصادي نوعيا في بلاده.وتابع كاسترو تهكمه من أميركا محبطا كل المحاولات الأميركية من أجل احتوائه، وبعد خمسة عقود كشخص منبوذ في الغرب، حتى عندما ذبل صوته كمسن وقد أصبحت لحيته رمادية اللون فقد ظل مُصّراً على التحدي. دون كيشوت! كان دائما ما يصف نفسه في المقابلات الصحفية مثل “دون كيشوت” ومثل كيشوت فهو يقاتل ضد التهديدات الحقيقية والوهمية، كأن يجهز لعشرات السنين لغزو قادم محتمل لم يحدث مطلقا.وعندما اجتمع القادة في مدينة كيبيك في أبريل 2001 في القمة الثالثة للأميركتين، فقد قرر كاسترو وكان في الـ 74 وقتها، أن يبقى في هافانا مستشيطا غضبا ومحييا ذكرى هزيمة محرجة منيت بها المخابرات الأميركية في خليج الخنازير سنة 1961.وهكذا ظل يصوّر قوته ويعلن أن بلاده هي الوحيدة التي لا تحتاج إلى التعاون التجاري مع أميركا.


الخبر بالتفاصيل والصور


b3d6acc3-b6e7-4028-bd41-5895f047e3c1

يعرف فيدل كاسترو الذي توفي يوم الجمعة 25 نوفمبر عن 90 عاما بأنه الرجل الذي أدخل نصف الكرة الأرضية الغربي في الحرب الباردة منذ عام 1959، ومن ثم تحدى الولايات المتحدة الأميركية لقرابة نصف القرن، معاصرا 11 رئيسا أميركيا، ومسببا لهم الإزعاج، كما أنه الشخص نفسه الذي دفع العالم إلى حافة الحرب النووية.
وبصحة متدهورة منذ سنوات، فإن كاسترو ظل يقود ويدبر ما يأمل أن يكون استمرارا لثورته الشيوعية منذ أن تنحى في عام 2006 لأخيه الأصغر راؤول كاسترو البالغ من العمر الآن 85 عاما، وأعقبها بعامين أن أعلن استقالته رسميا من رئاسة كوبا، وقد قاتل معه راؤول منذ سنوات الانتفاضة الأولى، وبقي وزيرا للدفاع وأقرب الناس إلى كاسترو، والذي أكد للشعب الكوبي أنه يرغب في الاستقالة في 2018.

المسيح والحمائم

حكم كاسترو لأطول فترة في العالم ولم يضارعه أو يتفوق عليه إلا الملكة إليزابيث الثانية، وأصبح شخصية لا يمكن تجاوزها في القرن العشرين، وهو يحكم الجزيرة الكاريبية التي يقدر سكانها بحوالي 11 مليون نسمة بعد أن سيطر على البلاد بقوة وأصبح رمزا منذ دخوله الشهير لهافانا العاصمة منتصرا في 8 يناير 1959 بعد أن أطاح بالديكتاتور فولغينسيو باتيستا، حيث ألقى خطابه الأول أمام عشرات الآلاف من المعجبين في القصر الرئاسي للرئيس المعزول.
وقد سلطت الأضواء عليه حيث ظل يلقي خطابه إلى الفجر متبخترا قبل أن يطلق مجموعة من حمائم السلام البيضاء ليعلن عن مرحلة جديدة في كوبا، وعندما جثمت واحدة منها على كتفه فقد صاحت الجماهير: “فيدل.. فيدل”. وكانت بالنسبة للكوبيين الذين أنهكتهم الحرب هذه الإشارة المثيرة، علامة على أن زعيم حرب العصابات الملتحي قد أعد ليكون منقذهم.
ولم يكن من أحد يعرف ما الذي أعده كاسترو لمستقبل بلادهم، ففي مزيج بين الصورة الحقيقية والأسطورة كان كاسترو نفسه يعتقد أنه مسيح أرض الأسلاف، قوة لا غنى عنها مع سلطة قادرة على حكم كوبا وشعبها.
وقد أمسك بزمام الأمور مثل طاغية، مسيطرا على كل شيء في الجزيرة الكوبية تقريبا، وأصبح “الكل في الكل” حيث دافع من فوق دبابة عن بلاده في حرب خليج الخنازير، وكان عليه أن يختار كل شيء من اختيار لون الزي للجيش الكوبي المقاتل في انغولا بإفريقيا، إلى الإشراف عن برنامج لإنتاج حليب الأبقار، وهو الذي حدد بنفسه برنامج حصاد قصب السكر، والذي بعث كذلك شخصيا ما لا يحصى من الرجال إلى السجن.

معجبون وناقمون!

لكن هناك ما هو أكثر من القمع والخوف والحكم الشمولي ما جعله يبقى لأطول فترة في حكم البلاد، فقد كان له بقدر المنتقدين، المعجبون الكثر في كوبا وخارجها، ففي حين رآه البعض الطاغية الذي سحق الحريات والحقوق، كان على الوجه الآخر من هم على شاكلة أولئك الجموع الذين احتشدوا له في الليلة الأولى باعتباره بطلا ثوريا لأبد الدهر.
وحتى عندما سقط مريضا في صيف عام 2006، وقد تخلى عن معظم صلاحياته للمرة الأولى، حاول كاسترو أن يملئ تفاصيل برنامج علاجه والرعاية الطبية بما ينسجم مع ثورته الشيوعية منخرطا في الأنماط البالية نفسها.
وقبل تسليم السلطة لشقيقه راؤول، أثار كاسترو حنق أعدائه في واشنطن مجددا، حيث أدان المسؤولون الأميركيون عملية انتقال السلطة في كوبا، أنها تكرس للديكتاتورية وأنها من جديد تضاعف معاناة الشعب الكوبي وتحرمهم من حكم أنفسهم بأنفسهم.
ولكن في عام 2014 استخدم الرئيس الأميركي أوباما سلطاته التنفيذية لينهي عقودا من القطيعة بين البلدين، بالسماح بتبادل السجناء بين هافانا وواشنطن، وتطبيع العلاقات الدبلوماسية، بعد أن عملت صفقة سرية في محادثات بين ممثلين للجانبين، استمرت لـ 18 شهرا بعون البابا فرانسيس، على الخروج من عنق الزجاجة للطرفين.
وعلى الرغم من ضعف كاسترو صحيا وعدم ظهوره أمام الملأ فقد أبدى عدم ثقته في الاتفاق الأميركي، فبعد عدة أيام من زيارة أوباما إلى هافانا في 2016 وهي أول زيارة لرئيس أميركي منذ 88 سنة، فقد صاغ كاسترو ردا غريبا على مبادرة أوباما بقوله إن كوبا لا تريد أي عون من الولايات المتحدة الأميركية.

حرباء أم ديكتاتور؟!

للكثيرين فقد كان كاسترو مهووسا ومتعصبا مؤمنا فقط بمبادئه وغير قادر على الانعتاق منها، كالحرباء التي تتلون مواقفها في السياسة والاقتصاد بناء على البراغماتية أكثر من اللون الديكتاتوري، وإن كان في قرارة نفسه قد تخلص من قلب المتمرد الكبير، حيث كان يؤمن في البداية أن كل عمل يجب أن يكون ثوريا.
وربما كان كاسترو أبرز أو أهم زعيم يخرج من أميركا الجنوبية منذ حرب الاستقلال في مطلع القرن التاسع عشر، وهو أوضح مُشكّلي تاريخ كوبا الحديثة منذ سلفه وملهمه “خوسيه مارتي” الذي ناضل من أجل الاستقلال في القرن التاسع عشر.
وقد عملت ثورة كاسترو على التأثير في المجتمع الكوبي وكل الإقليم أكثر من أي انتفاضة أخرى طوال القرن العشرين مع احتمال استثناء الثورة المكسيكية في عام 1910.
وقد شكل إرثه في كوبا وفي أماكن أخرى على المزج بين التقدم الاجتماعي والفقر المدقع، مع المساواة العنصرية والاضطهاد السياسي، بدرجة قد تماثل ما كان عليه الوضع من بؤس، عندما جاء الرجل للسلطة لأول مرة في عام 1959 كقائد حرب العصابات المزهو بالانتصار.

الصورة الأولى والأخيرة!

هذه الصورة الأخيرة التي هي جعلت منه رمزا للثورة في العالم ومصدر إلهام لكثير من مقلديه، كهوغو شافيز على سبيل المثال الذي يشكل كاسترو عرابه الأيديولوجي، أو ماركوس الذي بدأ تمردا في جبال المكسيك سنة 1994 مستخدما تكتيكات كاسترو نفسها في انتفاضة الفلاحين الفقراء. وحتى أداء كاسترو كهرِم أتوقراطي مسؤول عن الانهيار الاقتصادي في كوبا، لا يمكن أن تقوض صورته الأولى والراسخة.
ولكن خلف كل شيء، فإن هواجسه من أميركا وتقابلها الهواجس الأميركية منه، هي التي شكلت سياساته، فبعد أن اعتنق الشوعية كمبدأ للحكم، فقد وصفته أميركا كشيطان ومستبد وحاولت إزاحته من السلطة من خلال الغزو المشؤوم لخليج الخنازير في سنة 1961 والحصار الاقتصادي الذي استمر عشرات السنين، وسلسلة من مؤامرات الاغتيال والخطط الغريبة لتقويض عظمته بجعل لحيته تسقط على الأرض.

رسم الصور الذهنية

لقد حوّل تحدي كاسترو للولايات المتحدة إلى مثال للمقاومة في أميركا الجنوبية ومناطق أخرى من العالم، مع مظهره باللحية الكثيفة والسيجار الكوبي الطويل والبزة العسكرية الخضراء، التي أصبحت جميعها رموزا للتمرد.
وقد كان كاسترو يدرك قوة تأثير الصور الذهنية، خاصة في شاشات التلفزة، وهذا ساعد على ولاء الكثير من الكوبيين له في أقسى الظروف، عندما كل داء ينسب إلى الحصار الأميركي وسياستها الاستعدائية.
كذلك فإن إتقان الرجل لفن الخطابة ولساعات طويلة في بعض الأحيان، فقد ساهم ذلك في تشبع مواطنيه بكراهية أميركا وهم في ترقب دائم لغزو قادم من الشمال الأميركي، ثقافيا كان أم عقائديا أم سياسيا أم اقتصاديا.
وعلى مدى سنوات طويلة أجرى كاسترو مئات المقابلات الصحفية التي كان قادرا فيها على تحويل دفة الأسئلة الأكثر إحراجا لصالحه، ففي عام 1985 سئل في مقابلة مع مجلة “بلاي بوي” كيف يرد على ريغان الذي يصفه بأن ديكتاتورا عسكريا لا يرحم، فأجاب: “دعنا نفكر في السؤال. فأن تكون ديكتاتورا هذا يعني أنك تحكم بواسطة مراسيم، كما يفعل بابا الفاتيكان”.
وعكس السؤال على ريغان بقوله: “سلطته تتضمن ما هو غير ديمقراطي بشكل مخيف من التآمر لإعلان حرب نووية مثلا، وهنا أسأل من هو الأكثر ديكتاتورية، رئيس الولايات المتحدة أم أنا؟!”.

نهاية السوفيت.. والتحديات

بعد أن استطاع إزاحة النظام وهو في الثلاثينات من عمره فقد عمل تحالف كاسترو مع الاتحاد السوفيتي سابقا، على دعم الحركات الثورية في القارة الإفريقية وجميع أنحاء أميركا اللاتينية.
وقد أدى استعداده لتلبية رغبة السوفيت لبناء قاعدة للصواريخ في كوبا، لمواجهة مروعة دبلوماسية بين الطرفين الشرقي والغربي في خريف عام 1962 والتي كان يمكن أن تقود إلى صدام نووي. وظل التوتر قائما لـ 13 يوما حيث تم تفكيك منصات الإطلاق السوفيتية في كوبا.
مع تفكك الاتحاد السوفيتي سنة 1991 فقد واجه كاسترو واحدا من أكبر تحدياته، حيث بقي مقاوما مع انتفاء المعونات الضخمة من الدولة الشيوعية، واستمر في سياسة التحدي للولايات المتحدة، بل ظل يتوعدها.
ومع وصول الاقتصاد الكوبي حافة الانهيار، فقد رضخ إلى الاعتراف بالعملة الأميركية، التي طالما شجبها بشدة منذ الخمسينيات لكنه عاد لحظر الدولار من جديد، بعد بضع سنوات عندما استقر الوضع الاقتصادي نوعيا في بلاده.
وتابع كاسترو تهكمه من أميركا محبطا كل المحاولات الأميركية من أجل احتوائه، وبعد خمسة عقود كشخص منبوذ في الغرب، حتى عندما ذبل صوته كمسن وقد أصبحت لحيته رمادية اللون فقد ظل مُصّراً على التحدي.

دون كيشوت!

كان دائما ما يصف نفسه في المقابلات الصحفية مثل “دون كيشوت” ومثل كيشوت فهو يقاتل ضد التهديدات الحقيقية والوهمية، كأن يجهز لعشرات السنين لغزو قادم محتمل لم يحدث مطلقا.
وعندما اجتمع القادة في مدينة كيبيك في أبريل 2001 في القمة الثالثة للأميركتين، فقد قرر كاسترو وكان في الـ 74 وقتها، أن يبقى في هافانا مستشيطا غضبا ومحييا ذكرى هزيمة محرجة منيت بها المخابرات الأميركية في خليج الخنازير سنة 1961.
وهكذا ظل يصوّر قوته ويعلن أن بلاده هي الوحيدة التي لا تحتاج إلى التعاون التجاري مع أميركا.

0d90b718-8dfd-4a06-9b01-fd2ac65867c3_16x9_600x338 48500b6f-bf85-4fe2-a08c-fd0e5bd288fa 5b2b419f-cfb4-4508-8504-1fd5f59c227c 2d973937-af93-4e21-8715-9208d4093f83 3fd30bde-77ec-421f-a464-91fe09475953 a75bd81e-6a3d-43b7-92b6-c6662e03224b c20ce352-6245-4336-b506-e65f4a15fe7d File photo of then Cuban Prime Minister Fidel Castro relaxing in a swimming pool during a visit to Romania File photo of then Cuban Prime Minister Fidel Castro playing baseball in Havana File photo of Ernesto Che Guevara playing golf as Fidel Castro stands behind him at Colina Villareal in Havana

رابط المصدر: صور: محطات الغموض في رحلة حياة فيدل كاسترو

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً