سياسة ترامب الخارجية.. غموض وألغاز!

ختمت مقالي السابق هنا في “الاتحاد” المعنون: “ترامب رئيساً لأميركا المنقسمة”، بالإشارة إلى أسباب فشل كلينتون وفوز ترامب، ووعدت بأن أتناول في مقالي

هذا معالم سياسة ترامب الخارجية تجاه قضايا الشرق الأوسط والخليج العربي، وواضح أن الشأن الخارجي لم يحظَ بالأهمية التي يستحقها في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية، وفوز ترامب المفاجئ وشح المعلومات التي يمكن الاتكاء عليها لرسم خريطة طريق تساعد على توقع معالم سياسة إدارته القادمة مطلع العام القادم، وخاصة في الشؤون الخارجية والأمنية والدفاعية، يزيد الأمور تعقيداً.ويبقى أبرز لغز لتفكيك مقاربة ترامب وخططه في السياسة الخارجية هو غياب تفاصيل عنها، أو وجود مرجعية يُعتمد عليها. ولا يمكن أن نغفل أن الرئيس المنتخب ترامب يفتقد للمعرفة والخبرة في الشؤون السياسية العامة والخارجية، حيث لم يُنتخب أو يخدم في أي منصب في الإدارات والحكومات على مستوى المدن والمقاطعات والحكومة الفيدرالية، أو في القوات المسلحة، وكذلك عدم ترشيح ترامب حتى كتابة هذه المقال وزير خارجية، وإن كان رشح صقوراً متشددين لمناصب أمنية واستخبارية، وكذلك رشح وزيراً للعدل. ولكن الغموض يُحيط باستراتيجيته تجاه الحلفاء والخصوم.ويرى ترامب أن قرار الرئيس أوباما والوزيرة السابقة كلينتون بالانسحاب من العراق كان قراراً كارثياً تسبب في ظهور “داعش”، ويقفز ترامب على أن سبب الفوضى وعدم الاستقرار هو قرار الرئيس الجمهوري السابق بوش الابن بغزو واحتلال العراق، فقد كان الشرارة التي دفعت العراق والمنطقة برمتها منذ عقد ونصف عقد من الزمن للوضع الأمني المتردي الراهن، وفاقمه أيضاً عجز أوباما وإدارته عن التوصل لاتفاق لإبقاء قوات أميركية في العراق بعد الانسحاب العسكري نهاية عام 2011.ويضيف ترامب لفشل إدارة أوباما وكلينتون اتفاق إيران النووي “المعيب”، الذي يرفضه ويتوعد بتمزيقه أو إعادة التفاوض حوله. وهو الذي فاخرت كلينتون بالدفاع عنه لمنع إيران من التحول إلى دولة نووية، وقد شاركت بالتصويت مع جميع قرارات العقوبات على إيران عندما كانت سيناتورة عن نيويورك.. لأن العقوبات شلت إيران، وأجبرتها على التفاوض حول برنامجها النووي ومن ثم تجميده. كما يصف ترامب إيران بالدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم.وتثير القلق أيضاً مطالبات ترامب الدائمة بأن يدفع الحلفاء في حلف “الناتو” ودول الخليج واليابان وكوريا الجنوبية تكلفة وثمن الحماية، لدعم الدَّين العام الذي يتجاوز 20 تريليون دولار. ولا يُمانع ترامب في حصول اليابان وكوريا الجنوبية ودول حليفة أخرى على السلاح النووي، ويعتقد أن أكبر تهديد للأمن الدولي هو التهديد النووي، وليس كما ترى كلينتون وأوباما الاحتباس الحراري وتهديدات البيئية، التي يرى أنها خرافة ابتدعتها الصين لتقليص المنتجات والصادرات الأميركية.ولعل من الأسئلة الملحة الآن: هل ستكون أولوية ترامب مواجهة الصين في حرب تجارية والتقارب مع روسيا في الحرب على الإرهاب؟ وأين موقع الشرق الأوسط والخليج في سلم أولويات إدارة ترامب القادمة؟ وماذا عن العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي استراتيجيته تجاه الثقب الأسود الذي يمثله الجرح السوري الغائر والنازف؟ وما خططه التي لا يريد أن يُفصح عنها لهزيمة تنظيم “داعش” كما يدعي؟ وبالتالي يبقى الغموض والضبابية يغلفان استراتيجية ترامب القادمة في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، بما فيها ملفات إيران والعراق واليمن، وهل سيأخذ بنصائح كيسنجر بلجم توسع إيران الساعية للهيمنة على الشرق الأوسط؟والسؤال الكبير الذي ليس من السهل الإجابة عليه هو كيف ستختلف إدارة ترامب القادمة عن نهج إدارة أوباما في الشأن الخارجي الذي انتهج سياسة رفع اليد والانكفاء والانتقائية في مكافحة الإرهاب، والتودد للخصوم وإزعاج الحلفاء، والمواجهة والحرب المفتوحة ضد روسيا بسبب ضم شبه جزيرة القرم، وحربها في سوريا ودعمها لبشار الأسد؟وكيف ستبرر إدارة ترامب سياستها التي ستتبعها، وكونها تحافظ على مصالح واشنطن بثوابتها وخطوطها العريضة، لأن التغيير في البيت الأبيض، ومن إدارة ديمقراطية إلى جمهورية، لا يعني بالضرورة تغييراً في محتوى وجوهر السياسة الخارجية والاستراتيجية الأميركية وثوابتها، بقدر ما هو تغيير في الشكل والنمط، أم أن هذا التغيير في البيت الأبيض سيُحدث تحولًا ونسقاً مختلفاً عن نهج أوباما ومبدئه وانكفائه؟وفي المقابل يكثر التساؤل حول مبدأ ترامب -الانعزالي والمعادي للعولمة والاتفاقيات التجارية- الذي يفتقد وضوح الرؤية والعمق الاستراتيجي، ويستفز الحلفاء، ويعمّق الهاجس الأمني، وهل سيقود للمزيد من الفوضى على المستوى الدولي، خاصة في ظل المشترك بين ترشيحات ترامب لمناصب العدل ومستشار الأمن الوطني والاستخبارات المركزية، من تشدد ‬ونظرة ‬أحادية ‬وحتى ‬عنصرية ‬ضيقة ‬مستفزة ‬للأقليات!ما يعني أن التفاؤل الذي أبداه البعض بأن ترامب المرشح بمواقفه المتشددة وتصريحاته المستفزة والشوفينية إبان حملة الرئاسة الأميركية مختلف عن ترامب الرئيس الذي تعهد بأن يكون رئيساً لجميع الأميركيين، وليس لمن صوت له فقط. وهو من فاز بأقل من 48%من أصوات الناخبين وخسر التصويت الشعبي لصالح هيلاري كلينتون بأكثر من مليون صوت. ما يُفقد ترامب الادعاء بأنه يملك تفويضاً على رغم ‬سيطرة ‬الحزب ‬الجمهوري ‬على ‬الأغلبية ‬في ‬مجلسي ‬النواب ‬والشيوخ، ما ‬يعزز ‬قدرة ‬الرئيس ‬الجديد ‬ترامب ‬على ‬تمرير ‬ترشيحاته ‬واتخاذ ‬قراراته ‬بجرأة ‬أكبر ‬لعدم ‬قدرة ‬معارضة ‬الحزب ‬الديمقراطي ‬على ‬تعطيل ‬تلك ‬الترشيحات ‬أو ‬القرارات. ‬وهذا ‬قد ‬يمنح ‬ترامب ‬الجرأة ‬لانتهاج ‬سياسات ‬واتخاذ ‬مواقف ‬قاطعة ‬تجاه ‬القضايا ‬الداخلية، ‬وكذلك ‬الخارجية ‬التي ‬قد ‬تثير ‬الجدل ‬والاختلاف ‬والكثير ‬من ‬الانتقادات ‬تجاه ‬تلك ‬السياسات. ‬والأخطر ‬المزيد ‬من ‬الانقسام ‬في مجتمع ‬ونظام ‬منقسم ‬على ‬نفسه! ‬ولنا ‬عودة إن شاء الله.


الخبر بالتفاصيل والصور


ختمت مقالي السابق هنا في “الاتحاد” المعنون: “ترامب رئيساً لأميركا المنقسمة”، بالإشارة إلى أسباب فشل كلينتون وفوز ترامب، ووعدت بأن أتناول في مقالي هذا معالم سياسة ترامب الخارجية تجاه قضايا الشرق الأوسط والخليج العربي، وواضح أن الشأن الخارجي لم يحظَ بالأهمية التي يستحقها في حملة انتخابات الرئاسة الأميركية، وفوز ترامب المفاجئ وشح المعلومات التي يمكن الاتكاء عليها لرسم خريطة طريق تساعد على توقع معالم سياسة إدارته القادمة مطلع العام القادم، وخاصة في الشؤون الخارجية والأمنية والدفاعية، يزيد الأمور تعقيداً.

ويبقى أبرز لغز لتفكيك مقاربة ترامب وخططه في السياسة الخارجية هو غياب تفاصيل عنها، أو وجود مرجعية يُعتمد عليها. ولا يمكن أن نغفل أن الرئيس المنتخب ترامب يفتقد للمعرفة والخبرة في الشؤون السياسية العامة والخارجية، حيث لم يُنتخب أو يخدم في أي منصب في الإدارات والحكومات على مستوى المدن والمقاطعات والحكومة الفيدرالية، أو في القوات المسلحة، وكذلك عدم ترشيح ترامب حتى كتابة هذه المقال وزير خارجية، وإن كان رشح صقوراً متشددين لمناصب أمنية واستخبارية، وكذلك رشح وزيراً للعدل. ولكن الغموض يُحيط باستراتيجيته تجاه الحلفاء والخصوم.

ويرى ترامب أن قرار الرئيس أوباما والوزيرة السابقة كلينتون بالانسحاب من العراق كان قراراً كارثياً تسبب في ظهور “داعش”، ويقفز ترامب على أن سبب الفوضى وعدم الاستقرار هو قرار الرئيس الجمهوري السابق بوش الابن بغزو واحتلال العراق، فقد كان الشرارة التي دفعت العراق والمنطقة برمتها منذ عقد ونصف عقد من الزمن للوضع الأمني المتردي الراهن، وفاقمه أيضاً عجز أوباما وإدارته عن التوصل لاتفاق لإبقاء قوات أميركية في العراق بعد الانسحاب العسكري نهاية عام 2011.

ويضيف ترامب لفشل إدارة أوباما وكلينتون اتفاق إيران النووي “المعيب”، الذي يرفضه ويتوعد بتمزيقه أو إعادة التفاوض حوله. وهو الذي فاخرت كلينتون بالدفاع عنه لمنع إيران من التحول إلى دولة نووية، وقد شاركت بالتصويت مع جميع قرارات العقوبات على إيران عندما كانت سيناتورة عن نيويورك.. لأن العقوبات شلت إيران، وأجبرتها على التفاوض حول برنامجها النووي ومن ثم تجميده. كما يصف ترامب إيران بالدولة الأولى الراعية للإرهاب في العالم.

وتثير القلق أيضاً مطالبات ترامب الدائمة بأن يدفع الحلفاء في حلف “الناتو” ودول الخليج واليابان وكوريا الجنوبية تكلفة وثمن الحماية، لدعم الدَّين العام الذي يتجاوز 20 تريليون دولار. ولا يُمانع ترامب في حصول اليابان وكوريا الجنوبية ودول حليفة أخرى على السلاح النووي، ويعتقد أن أكبر تهديد للأمن الدولي هو التهديد النووي، وليس كما ترى كلينتون وأوباما الاحتباس الحراري وتهديدات البيئية، التي يرى أنها خرافة ابتدعتها الصين لتقليص المنتجات والصادرات الأميركية.

ولعل من الأسئلة الملحة الآن: هل ستكون أولوية ترامب مواجهة الصين في حرب تجارية والتقارب مع روسيا في الحرب على الإرهاب؟ وأين موقع الشرق الأوسط والخليج في سلم أولويات إدارة ترامب القادمة؟ وماذا عن العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما هي استراتيجيته تجاه الثقب الأسود الذي يمثله الجرح السوري الغائر والنازف؟ وما خططه التي لا يريد أن يُفصح عنها لهزيمة تنظيم “داعش” كما يدعي؟ وبالتالي يبقى الغموض والضبابية يغلفان استراتيجية ترامب القادمة في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، بما فيها ملفات إيران والعراق واليمن، وهل سيأخذ بنصائح كيسنجر بلجم توسع إيران الساعية للهيمنة على الشرق الأوسط؟

والسؤال الكبير الذي ليس من السهل الإجابة عليه هو كيف ستختلف إدارة ترامب القادمة عن نهج إدارة أوباما في الشأن الخارجي الذي انتهج سياسة رفع اليد والانكفاء والانتقائية في مكافحة الإرهاب، والتودد للخصوم وإزعاج الحلفاء، والمواجهة والحرب المفتوحة ضد روسيا بسبب ضم شبه جزيرة القرم، وحربها في سوريا ودعمها لبشار الأسد؟

وكيف ستبرر إدارة ترامب سياستها التي ستتبعها، وكونها تحافظ على مصالح واشنطن بثوابتها وخطوطها العريضة، لأن التغيير في البيت الأبيض، ومن إدارة ديمقراطية إلى جمهورية، لا يعني بالضرورة تغييراً في محتوى وجوهر السياسة الخارجية والاستراتيجية الأميركية وثوابتها، بقدر ما هو تغيير في الشكل والنمط، أم أن هذا التغيير في البيت الأبيض سيُحدث تحولًا ونسقاً مختلفاً عن نهج أوباما ومبدئه وانكفائه؟

وفي المقابل يكثر التساؤل حول مبدأ ترامب -الانعزالي والمعادي للعولمة والاتفاقيات التجارية- الذي يفتقد وضوح الرؤية والعمق الاستراتيجي، ويستفز الحلفاء، ويعمّق الهاجس الأمني، وهل سيقود للمزيد من الفوضى على المستوى الدولي، خاصة في ظل المشترك بين ترشيحات ترامب لمناصب العدل ومستشار الأمن الوطني والاستخبارات المركزية، من تشدد ‬ونظرة ‬أحادية ‬وحتى ‬عنصرية ‬ضيقة ‬مستفزة ‬للأقليات!

ما يعني أن التفاؤل الذي أبداه البعض بأن ترامب المرشح بمواقفه المتشددة وتصريحاته المستفزة والشوفينية إبان حملة الرئاسة الأميركية مختلف عن ترامب الرئيس الذي تعهد بأن يكون رئيساً لجميع الأميركيين، وليس لمن صوت له فقط. وهو من فاز بأقل من 48%من أصوات الناخبين وخسر التصويت الشعبي لصالح هيلاري كلينتون بأكثر من مليون صوت.

ما يُفقد ترامب الادعاء بأنه يملك تفويضاً على رغم ‬سيطرة ‬الحزب ‬الجمهوري ‬على ‬الأغلبية ‬في ‬مجلسي ‬النواب ‬والشيوخ، ما ‬يعزز ‬قدرة ‬الرئيس ‬الجديد ‬ترامب ‬على ‬تمرير ‬ترشيحاته ‬واتخاذ ‬قراراته ‬بجرأة ‬أكبر ‬لعدم ‬قدرة ‬معارضة ‬الحزب ‬الديمقراطي ‬على ‬تعطيل ‬تلك ‬الترشيحات ‬أو ‬القرارات. ‬وهذا ‬قد ‬يمنح ‬ترامب ‬الجرأة ‬لانتهاج ‬سياسات ‬واتخاذ ‬مواقف ‬قاطعة ‬تجاه ‬القضايا ‬الداخلية، ‬وكذلك ‬الخارجية ‬التي ‬قد ‬تثير ‬الجدل ‬والاختلاف ‬والكثير ‬من ‬الانتقادات ‬تجاه ‬تلك ‬السياسات. ‬والأخطر ‬المزيد ‬من ‬الانقسام ‬في مجتمع ‬ونظام ‬منقسم ‬على ‬نفسه! ‬ولنا ‬عودة إن شاء الله.

رابط المصدر: سياسة ترامب الخارجية.. غموض وألغاز!

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً