فهد صالح: حارس مرمى سوري يبني حياة ومسيرة جديدة كلاجئ في انجلترا


الخبر بالتفاصيل والصور


الرماد والركام هو كل تبقى لحارس المرمى فهد صالح بعد أن دمرت الحرب الحياة بمعناها الحقيقي في سوريا.

دفع دوي إطلاق النيران وحروب الشوارع الوحشية والمميتة

بين فصائل المعارضة السورية والميليشيا الموالية للرئيس السوري بشار الأسد بالقرب من منزل صالح في حمص إلى نقل عائلته إلى منزل أسرته.

هذا القرار ربما هو الذي أنقذ الأسرة، فبعد أن عاد صالح، الذي كان أبا لولد واحد في ذلك الوقت، ليتفقد منزل العائلة مرة أخرى وجد أنه قد دُمر تماما، وهو المشهد الذي دفع العائلة لمغادرة سوريا والانتقال نهائيا إلى انجلترا بعد ذلك بأربع سنوات.

يقول صالح لبي بي سي عبر مترجم: “فقدان المنزل أفضل من فقدان حياتك، لقد كان هذا هو الوقت لإنقاذ العائلة.”

وأضاف: “عدت لأرى ما حدث، لاشاهد إذا كان بإمكاني أن أنقذ بعض الأشياء، لكن كل شيء احترق. لقد كانت هناك غرفة للضيوف بكل ما فيها من تذكارات وميداليات وجوائز، وكلها اختفت، كل شيء اختفى.”

وتابع: “المنزل الذي تعمل بجد من أجل أن تملكه، المنزل والحياة التي تؤسسها، في لحظة اختفى كل شيء.”

بداية جديدة في ايست ميدلاندز

كان صالح (31 عاما) يلعب لنادي الكرامة في حمص، أحد أكبر الأندية في سوريا، وفاز معهم بالعديد من بطولات الدوري والكأس المحلية، وشارك أيضا في دوري أبطال آسيا للأندية وكأس الاتحاد الآسيوي.

أما الآن يجلس صالح في الغرفة الرئيسية لمنزل متواضع في منطقة “مانزفيلد” مع زوجته تحرير العقلة وطفليه نور خمس سنوات وعمر ثلاث سنوات، ويتحدث كيف يريد أن يعيد بناء حياته ومسيرته كلاعب كرة في انجلترا.

يقول صالح، الذي يأمل في مواصلة اللعب في انجلترا: “كان لدى الشغف بلعب كرة القدم منذ أن كنت صغيرا، وسأعمل لكي أصبح أفضل مدرب حارس مرمى في العالم”.

ويضيف: “هذا حلمي، وقد أدركت أنه لن يمكنني تحقيقه في بلدي دون دعم المجتمع ودفعي إلى المكان الذي يمكنني أن أقدم فيه أفضل ما لدي.”

استقر صالح وأسرته في بلدة “نوتينغهام شير” وفقا لبرنامج تابع للأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول عام 2015، بعد أربع سنوات من فراره من سوريا إلى الإمارات وبعدها إلى الأردن بفضل نشاطه في كرة القدم.

وهذه الأسرة هي من بين أكثر من 4.8 ملايين لاجئ سوري مسجل وصنفوا بأنهم من بين أكثر اللاجئين عرضة للخطر من قبل وكالة الأمم المتحدة لإعادة توطين اللاجئين.

زميل عُذب حتى الموت

لقي أكثر من 250 ألف سوري حتفهم منذ بدء الصراع الذي انطلق بمظاهرات مؤيدة للديمقراطية في مارس/آذار عام 2011.

أطلق على حمص “عاصمة الثورة” بعد أن احتضن سكانها الدعوة للإطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهي واحدة من أهم المراكز الصناعية في سوريا وكان يعيش فيها 1.5 مليون شخص قبل الانتفاضة.

أصبح أحد زملاء صالح وهو حارس المرمى عبد الباسط ساروت شخصية بارزة بين صفوف المتمردين الذين يقاتلون من أجل الإطاحة بنظام الأسد.

وألقي القبض في عام 2011 على مصعب بلحوس، حارس المرمى الرئيسي لمنتخب سوريا وفريق الكرامة طوال الفترة التي كان يلعب فيها صالح في سوريا كحارس مرمى. أعتقل بلحوس بتهمة دعم حركات المعارضة وإيواء مقاتلين متمردين، واختفى لمدة عام قبل أن ينضم مجددا بشكل مفاجئ إلى المنتخب الوطني عام 2012.

لكن لاعبين آخرين لقوا حتفهم.

يبكي صالح وزوجته وهما يتحدثان عن مصير اثنين من الزملاء السابقين في فريق صالح وهما أحمد سويدان وجهاد قصاب، والأخير كان قائد منتخب سوريا في الماضي وأفادت تقارير بأنه توفي جراء التعذيب في السجن في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ويقول صالح: “هؤلاء هم الأشخاص الذين لعبت معهم منذ الطفولة، وتجمعني معهم الكثير من الذكريات. هؤلاء الأشخاص هم مصدر المتعة للجماهير.”

كرة القدم مخرج

تلقى صالح دعوة للعب في الإمارات وأخيرا أتيحت له ولأسرته فرصة للهرب، وغادروا جميعا سوريا واضطر لمغادرة النادي الذي التحق به وترك دراسته وهو في سن الـ13 عاما.

وقال: “لم تكن لدي مشاكل، لقد كنت لاعبا رياضيا، لم يعد لي مكان هناك على الإطلاق.”

وأضاف: “بعد أن غادرت (سوريا)، اتصل بي النادي لأعود، لم أشعر بالراحة بسبب المخاطر. لم أكن مرتاحا بسبب الاضطرابات ولدي أسرة لأفكر فيها أيضا.”

وتابع: “لقد كان صعبا علي الرفض، لكن الحياة أهم من اللعب، وهذا ما كان يجب عليه أن أختاره لأسرتي.”

وبعد فترة عمل وجيزة في الإمارات، حول صالح اهتمامه إلى التدريب بعد انضمامه لنادي الأصالة الأردني وظل معهم لمدة عامين وساعدهم على الترقي للدوري الممتاز عام 2015.

ويعترف صالح بأنه وعائلته كانوا “محظوظين” لتلقيهم دعوة الأمم المتحدة للانتقال إلى منطقة “إيست ميدلاندز” بجانب ثلاث عائلات أخرى من سوريا حيث يخاطر مئات الآلاف بحياتهم في مساعيهم لطلب اللجوء من خلال رحلات القوارب المحفوفة بالمخاطر ومن ثم الانطلاق في رحلات شاقة سيرا على الأقدام للوصول إلى بر الأمان.

ويقول صالح: “لأنني كنت أعمل مدربا في الأردن فإنني لم اضطر لاتخاذ مثل هذا القرار الصعب للمغادرة مثلهم”، في إشارة إلى أبناء وطنه الموجودين داخل سوريا.

وأضاف: “من الصعب عليهم اتخاذ هذا القرار، لأنهم لايمتلكون شيئا يبقون لأجله، إنهم يخاطرون لأنه ليس لديهم خيار آخر.”

“لحظات عزيزة”

في صباح يوم بارد ورطب في انجلترا، يجلس صالح على أريكة وهو يقلب مجموعة من الصور، صور احتفالات النصر مع فريقه السابق وأخرى وهو مدرب ولاعب في فريق الكرامة، ويشاهد أبرز المحطات في حياته الكروية على موقع يوتيوب.

يتوقف صالح عند مشاهدة مبارة نهائي كأس سوريا عام 2010 ضد فريق النوير والتي أنقذ فيها ركلتي ترجيح ليضمن لفريقه النصر.

ويقول: “هذه هي الذكريات التي أعتز بها.”

وفي غرفة تزينت فيها الحوائط بمجموعة من الأوراق كتبت عليها كلمات بالانجليزي ومقابلها بالعربية، يقول صالح إنه عاقد العزم على أن يحقق أفضل فائدة من حياته الجديدة في “مانزفيلد”.

ويقول صالح بسعادة بالغة إنه تعلم 100 كلمة جديدة خلال الأسبوعين الماضيين، وبدأ في تكرار نطقها بدقة كلمة تلو الأخرى.

في المقابل يشاهد نجلا صالح الصغيران لقطات مصورة لنغمات الروضة في انجلترا ويرددون أغاني الأطفال مثل “توينكل توينكل”، وفي الوقت نفسه يساعدان والدهما على اكتساب معرفة باللغة من خلال الإشارة إلى رسم بالأرقام لاختبار معرفتهم بها.

ويقول صالح: “العامل الرئيسي وراء قدومنا إلى هذا البلد هو أولادي، أريد أن يكون لديهم مكان آمن للتعلم والنجاح، وأن يصبحوا شيئا ويكون لهم مستقبل. لقد جئنا إلى هنا لنضيف لهذا المجتمع ولا نكون عبئا، وهذا ما نكافح من أجله.”

“مصدر إلهام”

قبل إبلاغه بأنه سيجري نقله إلى إنجلترا، كل ما كان يعرفه صالح عن هذا البلد هو كرة القدم.

النادي المفضل لصالح هو تشيلسي، وهو أيضا معجب بمدرب مانشستر سيتي بيب غوارديولا.

حصل صالح على المؤهلات من الفيفا في حراسة المرمى، وحصل أيضا على رخصة التدريب “ج” من الاتحاد الآسيوي لكرة القدم قبل أن يغادر الأردن.

وعلاوة على تلقي صالح وعائلته دروسا أسبوعية في الإنجليزية، فقد التحق أيضا بدورة في تعلم القيادة في كلية “فيجن ويست نوتينغهام شير”.

وتقول راشيل إيفانز، معلمة صالح في الكلية، إنه يعمل بجد للتعامل مع حاجز اللغة، وملء قاموسه الشخصي بالعبارات الرئيسية والجمل السهلة.

وأضافت: “ويضع خط على كلمات كثيرة لا يعرفها، وأي كلمة رئيسية لا يعرفها يضع تحتها خطا.”

وتابعت: “عندما أراه يتنقل في دهاليز الكلية وهو يتعلم كلمات جديدة من الكتاب الذي يكتب فيه كل شيء، فإن ذلك يمثل مصدر إلهام (للآخرين). إنه (صالح) مصدر إلهام لغيره من الطلاب من خلال الالتزام الذي يظهره.”

وتابعت: “انه لا يتوقف أبدا، عندما يدخل إلى الكلية يقرأ بالفعل مذكراته، يريد دائما التعلم، وطرح الأسئلة، والتحدث إلى المدرسين الآخرين.”

وأردفت: “إنه (شخص) مشجع بالفعل” وهو “يحفزني للمجيء للعمل”.

ويشارك صالح في تدريب فريق الكلية كمدرب حراس مرمى، وكعضو في الأكاديميات المعنية بأنشطة التطوع والقيادة.

ويقول إنه “على الرغم من أن كل شيء صعب لأن لغتي الإنجليزية ليست جيدة، فإنني أبذل كل جهدي.

وأضاف: “أنني من الشخصيات المثابرة وقوية الإرادة، وسأواصل السعي لتحقيق ما أريده، وسأواصل المشوار ولن استسلم بسهولة”.

رابط المصدر: فهد صالح: حارس مرمى سوري يبني حياة ومسيرة جديدة كلاجئ في انجلترا

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً