قرقاش: على إيران التصرف كدولة بدلاً من تصدير الثورة وعدم الاستقرار

أكد الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، أن على إيران أن تغتنم الفرصة لإيقاف تدخلها في شؤون الدول العربية، ووقف دعمها وتمويلها لزعزعة الاستقرار في اليمن والبحرين والعراق وسوريا، إذ إن سياسة إيران الإقليمية تعكس الانقسام في المجتمع الإيراني الذي تسيطر عليه السياسة الخامنئية، كما أنها استقوت بالاتفاق النووي

الذي أُبرم مع مجموعة 5+1، والذي كان فرصة حقيقية وتاريخية لها للبدء بعمل بنّاء تجاه جيرانها العرب، لكنها اختارت مواصلة توسعها السياسي، وذلك بدعمها للطائفية، مشدداً بخصوص الحوار الإماراتي مع إيران: «نحن لا نرفض الحوار معها شريطة أن يكون بنّاءً وحقيقياً، وقائماً على أساس سلسلة مبادئ واضحة تحترم سيادة الدول العربية، ويجب عليها أن تتصرف كدولة بدلاً من أن تتصرف كمصدّر للثورة وعدم الاستقرار».جاء ذلك خلال الكلمة الرئيسية التي ألقاها قرقاش خلال افتتاح ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثالث، أمس، الذي ينظمه مركز الإمارات للسياسات بالتعاون مع وزارة الخارجية والتعاون الدولي، و«مجلس الأطلسي»، ويستمر على مدار يومين في قصر الإمارات بالعاصمة أبوظبي بحضور أكثر من 400 شخصية».دعا قرقاش لبناء مركز عربي معاصر، بمساهمة المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية كونهما يمثلان ركيزة للاستقرار، والمجتمع الدولي بحاجة لإشراك هذين البلدين، مؤكداً أنه يجب التفكير بطريقة مبتكرة ومبدعة لتطوير المنظومة العربية من أجل الخروج من الفوضى الراهنة، وأن الإمارات لعبت دوراً حاسماً لتحقيق هذه البنية الإقليمية الجديدة، لأنه ليس هناك من بديل عن التعاون الوثيق والتنسيق الوثيق بين الدول العربية في فترة تشهد فرطاً وزيادة في عدم اليقين الدولي، لتحمل مسؤوليات إقليمية أكبر.وقال قرقاش «نحن في دولة الإمارات نشعر بالفخر إزاء ما حققناه من خلال الاستثمار على المدى البعيد في شعبنا، والتزامنا تجاه الاقتصاد المفتوح، وهكذا أصبحت الإمارات مركزاً مفتوحاً للتجارة والاقتصاد ورائدة إقليمياً، لكن النموذج الإماراتي ليس وحيداً وفريداً من نوعه، والشرق الأوسط لديه إمكانات هائلة لتجاوز التحديات الراهنة، ونعتقد أن نجاح نموذجنا يمكن أن يكون مصدر إلهام في منطقة تواجه القلاقل، ولتمكين المنطقة من تحقيق أهدافها ستواصل دولتنا السعي للدفع باتجاه التسامح وتمكين المرأة وتوفير الفرص للشباب، وهذه القيم هي أساس التنمية في الإمارات، وفي صلب السياسة الخارجية المعتدلة للإمارات، وهذا مهم وبشكل خاص، بينما نسعى لتحقيق استقرار المنطقة والسعي نحو تجاوز الوضع الراهن بدلاً من النظر والتركيز على الداخل، والدولة ستواصل النظر إلى الخارج، لأنها تأمل في رؤية جيرانها العرب يزدهرون بطريقة يستفيدون منها جميعاً، ونحن نؤمن حقاً بأننا سنزدهر، ونكون أكثر أمناً في منطقة يعمها النجاح، وتعيش في سلام مع نفسها، ورؤيتنا في السياسة الخارجية الإماراتية التي ترتكز على رحلتنا الوطنية ستتواصل كأساس وتكون مثالًا للأمل في منطقتنا، والإمارات كانت صريحة دائماً في رسائلها وواثقة بقناعتها، ونأمل أن يواصل أصدقاؤنا ذلك، وهذا جلب الانتقاد لنا، لكننا مؤمنون بالسبيل الذي نسير فيه والرؤية التي نريدها لمنطقتنا، وهذه الرسالة سنواصل إيصالها ومتابعتها بالشراكة مع أصدقائنا وحلفائنا».وأوضح الدكتور أنور قرقاش، أن في العقد الماضي كان التركيز على الشأن الداخلي وتجاهل تحديات المنطقة هو وصفة للفوضى والعنف اللذان تشهدهما سوريا والعراق وليبيا، مضيفاً: وشهدنا أزمات تتفاقم، وبالتأكيد الدرس الذي تعلمناه من التجارب الأخيرة، أنه ليس هناك بديل لمواجهة هذه الأزمات والحد من انتشارها، إلّا بالعمل المشترك واتخاذ القرارات الصعبة والبحث المستمر لإيجاد حلول بناءة، وذلك لمواجهة التشدد وعدم استقرار المجتمعات، ولكسر دائرة عدم الاستقرار.وأكد أن من الأمور التي تأتي في صلب سياسة الإمارات الخارجية أن المجتمع الدولي لا يمكن له أن يدير فقط الأزمات في الشرق الأوسط، وإنما يجب عليه أن يتحول إلى حل وتسوية هذه الأزمات، إذ إن الإخفاق في علاقاته أدى لكوارث مدمرة، والأزمات امتدت لأزمات فرعية، الأمر الذي فرض عبئاً اقتصادياً وإنسانياً كبيراً، متابعاً: «والصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» يوضح ماذا يحدث حين نخفق في اتخاذ القرارات المناسبة على مدار 60 عاماً، والقضية الفلسطينية كانت مصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي وانتشار التشدد والكثير من الحروب، كما أثرت على الاتفاق الإقليمي والدولي، وحتى لو كان الحل السياسي متاحاً فإن هناك عدم إرادة سياسية للقيام بالخطوات الضرورية في اليمن وليبيا، وعلى الرغم من جميع الصعوبات، هناك آليات إيجابية موجودة، وخرائط طريق لإيجاد حل سياسي، والعمل معاً من أجل الوصول إلى هذه السياسات، والإمارات تعمل بنشاط مع شركائها لدعم هذه العمليات، ففي اليمن خريطة طريق الأمم المتحدة توفر مخرجاً والمجتمع الدولي بحاجة اليوم لاستخدام جميع وسائل الضغط المتوفرة لديه للتأكد من أن الأطراف اليمنية تقبل وتنفذ خريطة الطريق هذه، أفهم أن طريق المستقبل ليس سهلاً، ولكن بالتأكيد هو أفضل من استمرار المواجهة، وفي ليبيا فإن الخروج من الفوضى الراهنة هو من خلال الاتفاق الليبي الذي تم توقيعه في المغرب، وما نحتاج إليه هو أن على الأطراف الليبية تجاوز القضايا العالقة، وتنفيذ عادل للاتفاق، وفيما يتعلق بأزمة سوريا، لا يمكن للعالم أن يدير ظهره لمسؤولياته تجاهها، وعلينا أن نضاعف جهودنا لإيجاد تسوية للصراع الذي يمتد عنفه، وللأسف فإن الآفاق السياسية غير مشجعة والأزمة السورية تواصل تمزيق الشعب السوري وبلده. والعناصر الجيوسياسية للأزمة تتجلى في أن النظام يعتقد أن بإمكانه تحقيق نصر عسكري يعيق الدور الذي نحتاجه للوصول لتسوية الأزمة.وأشار إلى أنه فيما يتصل بجهود الإمارات لإنهاء الأزمات في المنطقة، يكمن التزامها في محاربة الإرهاب والتشدد، إذ إن الدولة ترى أن الرابط بين إيديولوجيات التطرف والعمل الإرهابي واضح المعالم، ولا يمكن مواجهة أحدهما دون الآخر، وعلاوة على ذلك تدرك الدولة أن مواجهة التشدد والإرهاب يمثل تحدياً طويل الأمد، وهذا الفهم هو أساسي في جهدها الرامي لمواجهة التشدد والإرهاب، وذلك يتطلب استخدام الكثير من الأدوات في حربها الطويلة، بما في ذلك التحكم في التدفقات المالية ومنها إيديولوجية وخطاب المتشددين، لافتاً إلى أن الإمارات عضو نشط في التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، وتدعم الجهد الدولي لتدمير «داعش» والقضاء عليه، ومعركة تحرير الموصل نقطة تحول أساسية في هذا الجهد، بينما تكمن الأولوية في هزيمة «داعش»، وتواصل التعبير عن قلقها بشأن العنف الطائفي ضد المدنيين الأبرياء وتشعر أن ذلك يزعزع استقرار العراق المستقبلي، مشدداً على أنه من أجل حرمان المتشددين من قاعدة الدعم ووضع الأساس للسلم والاستقرار فإنه ينبغي بذل جهود سياسية أكبر لإعادة المصالحة بين العراقيين، وهذا يتطلب بالأساس العمل، وتمكين السلطة في العراق، لأن وجود الدولة الموحدة الخالية من الخطاب الطائفي، يظل الخيار الأفضل ضد سياسات التطرف وعدم الاستقرار، وفيما تواصل الإمارات المساهمة في جهود تسوية النزاعات من المهم أيضاً تسليط الضوء على القضايا الأساسية التي تؤدي إلى الفوضى في المنطقة، وهذا يؤدي لإحدى ركائز سياسة الإمارات الخارجية، لا سيما الحاجة لتمكين الدول إزاء بروز الطائفية الخطرة، إذ إن العالم العربي يدفع ثمناً باهظاً بسبب الأجندات الطائفية التي روّج لها لاعبون إقليميون وجماعات غير حكومية لزرع الكراهية.وأشار وزير الدولة للشؤون الخارجية، إلى أن أحداث الأسبوع الماضي أثبتت مجدداً أن السياسة لا يمكن توقعها، وأنه في ظل النظام الدولي الجديد الدور الأمريكي أساسي، والاتجاهات المستقبلية للسياسة الخارجية الأمريكية تثير الكثير من التكهنات والقلق، ويتبع ذلك بروز الشعور الشعبوي لمناطق العالم، إذ لم يتم تقدير حجم هذا الشعور وعمقه بعد.وأردف قائلاً «نحن نواجه نظاماً دولياً متغيراً يحتاج لقيادة حكيمة ولاستقرار، العالم الذي نعيش فيه، تزداد الشكوك فيه في المجالات الاقتصادية والسياسية، وتأثير هذه التطورات نشعر به بشكل حاد في الدول العربية والشرق الأوسط، وهذا ليس بالأمر الغريب، بينما لا نعرف كيف ستتم صياغة السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية، وتأثير ذلك على منطقتنا لكننا متأكدون من أن على الدور الأمريكي أن يظل حاسماً من أجل ضمان نظام عالمي مسالم ومستقر ويمكن التنبؤ به، وعلى الرغم من أننا نعيش في عالم متعدد الأقطاب فإن وزن واشنطن وتأثيرها يظلان أكثر أهمية من أي وقت مضى بعد ثماني سنوات من ضعف الدور الأمريكي في المنطقة، رأى البعض أن ذلك أدى إلى هذا الفراغ، ويبدو أننا سننتظر فترة أطول حتى يتم تحديد ملامح السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن الأهمية بمكان وجود استراتيجية شاملة بدلاً من المواقف المنعزلة تجاه القضايا الإقليمية، والدور الأمريكي مهم، وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية له آثار عكسية، ولكن في عالمنا اليوم، استقرار المنطقة لا يمكن أن يتوقف على الدور الأمريكي فقط، لأن أطرافاً أخرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي لها أيضاً دور مهم تلعبه، ولذلك فإن السياسة الخارجية ترمي إلى توثيق وتعزيز العلاقات مع هذه الدول، إلا أن حل المشاكل الإقليمية يتطلب دوراً مهماً من الولايات المتحدة الأمريكية، بمعنى أن المجتمع الدولي يجب أن يعكس الإخفاقات التي شهدناها في السنوات الأخيرة لتوفير دور أكثر نشاطاً وفعالية بدلاً من عكس التوترات الإقليمية، ويجب أن نسعى معاً لتمكين الأمين العام المنتخب الجديد لعكس هذه الانتكاسات، ودولة الإمارات تدرك أنه يجب العمل مع شركائنا وأصدقائنا لخفض التوتر في المنطقة، وهذا برأينا سينتج نتائج إيجابية من أجل السلام والاستقرار العالميين، وحتى بمعايير الشرق أوسطية فهذه أوقات استثنائية وصعبة، والأزمات الإقليمية تعرض وجود الدول للخطر وتمزق النسيج الهش للكثير من المجتمعات في الشرق الأوسط».بدورها، أشارت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيس مركز الإمارات للسياسات في كلمتها الافتتاحية للملتقى، إلى أن من أهداف ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثالث، محاولة استشرافِ خريطةِ تحولاتِ القوة وتوزيعِها في النظام الدولي المتغير، واستثمار حضورِ النخبِ المؤثِّرةِ في توجيهِ السياسات على المستويَين الإقليمي والدولي لإفادة صناع القرار في أبوظبي من هذه النخب، وما تطرحه من مبادرات ومشروعات وأفكار. الجلسة الأولى: نظام متغير ركزت الجلسة الأولى من الملتقى «الخليج في نظام دولي متغير» والتي أدارها تركي الدخيل، مدير عام قناة العربية الإخبارية، على تقييم تجربة العمل المشترك للدول الخليجية، ورصد التحديات الماثلة أمامها جراء ما يعتمل في محيطها المباشر من قلاقل، ونتيجة التحولات التي يشهدها العالم على المستويين السياسي والاقتصادي.وأجمل الدكتور صباح السالم الصباح، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية السابق في دولة الكويت، التحديات والمخاطر التي تواجه الأمن الإقليمي فيما اصطلح عليها «الآيات الثلاث»: «إيران، إرهاب، «إسرائيل»»، قائلاً «إن الظرف الذي تمر به المنطقة والعالم صعب للغاية، ونحن متوجهون إلى مزيد من عدم اليقين في 2017 بسبب التغيرات المحتملة التي قد تطرأ على المشهد الجيوسياسي بعد انتخاب رئيس جديد في الولايات المتحدة، واستحقاقات «البريكست» في بريطانيا وتأثيراتها المحتملة على الاتحاد الأوروبي، والانتخابات التي ستُجرى في ألمانيا وفرنسا وسط تصاعد لمعارضة الحكومات القائمة».وشدد الصباح على أهمية العامل الاقتصادي في خريطة التحديات التي تواجه دول المنطقة قائلاً «العالم يمر بكساد طويل الأمد لم يشهد له مثيلاً منذ ذاك الذي تلا أزمة 1929، وهذا الكساد ليس ناجماً عن سياسات اقتصادية بقدر ما هو نتيجة لتغير البنية الاجتماعية والسياسية لمجتمعات الدول المتقدمة، والتي دخلت حالة من الشيخوخة».ومن جانبها، أكدت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، أن «مجلس التعاون لدول الخليج العربية حقق نجاحات كثيرة واستطاع إكمال المسيرة رغم مواجهته لأزمات عاصفة، وضربت مثالاً على ذلك بالتعاون الأمني والعسكري الذي كان مثالياً في حالات البحرين واليمن وقبلهما أثناء غزو الكويت كما اعتبرت أن «سقف توقعات المواطنين الخليجيين أكبر بكثير من سرعة أداء المجلس».وأشارت إلى أن المشكلة ليست في القادم الجديد للبيت الأبيض ولكنها في ما الذي تريده دول الخليج، معتبرة أن على هذه الدول ألا تكرر الأخطاء السابقة وترهن نفسها بالقوى العالمية، داعية إلى تطوير موقف خليجي موحد وتنويع الشراكات مع بقية الفاعلين الرئيسيين على الساحة الدولية. الجلسة الثانية : تراجع القوى تناولت الجلسة الثانية من ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثالث 2016 التي عقدت تحت عنوان جلسة «القوى التقليدية والمتراجعة في نظام عالمي متغير» على ملامسة التحول الذي طال الركائز الأساسية للنظام الدولي خلال عام 2016، ومحاولة رسم خريطة توزيع القوة في العالم والمنطقة وتصنيف القوى الإقليمية والدولية ومستوى حضورها وتدخلها.واستهل الجلسة الدكتور مارك عبداللهيان، أستاذ في كلية العلوم الاجتماعية والسياسات في جامعة كليرمونت للدراسات العليا، والرئيس التنفيذي في شركة «إيسرتاس» للاستراتيجيات والتحليلات، بالتأكيد على وجود «تحولات هائلة على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية أدت إلى ظهور خريطة عالمية متعددة القوى»، مضيفاً أن هذه التحولات تفرض تحديات مشتركة على صعيد «هيكلية التنمية الاجتماعية والاقتصادية وقدرة الحكومات على توفير ما يحتاجه الأفراد والجماعات».وصدق الدكتور زيد عيادات، أستاذ العلوم السياسية في جامعتي كونيتيكت وجورج تاون، ومستشار «مركز الإمارات للسياسات»، على الرأي القائل بتراجع أدوار الدولة التقليدية لصالح الفاعلين ما دون الدولة، مشيراً إلى عاملين محددين في هذا الباب، أولها التكنولوجيا، والناس الذين يغيرون العالم من خلال الهجرة» مؤكداً أن حركة الأشخاص العابرة للحدود تعيد صياغة النظام العالمي.وأعطى الدكتور روي كامبهاوزن، نائب الرئيس لشؤون البحث، ومدير مكتب واشنطن، في «المركز الوطني للبحوث الآسيوية»، قراءة مختلفة لتحول القوى على الخريطة العالمية.وفي ختام الجلسة تناول الكلمة عمرو موسى، الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، ليؤكد أن هنالك نماذج جديدة في العالم لدول وقوى إقليمية بدأت تستعمل قوة الرفض وتقول «كفى، لقد طفح الكيل»، ضارباً مثلاً على ذلك بالفلبين وموقفها تجاه العلاقات مع أمريكا في بحر الصين. وأضاف: «هنالك مراجعات آسيوية تجاه العلاقات مع أمريكا، وقد تعلمت هذه الدول من تجربتنا في الشرق الأوسط، بعدما أصبحت لديها شكوك حيال التزام أمريكا طويل الأمد». وتعليقاً على فوز دونالد ترامب، دعا إلى التأني في إصدار أحكام، مشيراً إلى وجود «عنصر مجهول مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض»، مضيفاً: «علينا أن ننتظر أن يطلع على الملفات وتقارير مختلف الوكالات ومراكز القرار قبل أن نتوقع الاتجاه الذي ستنحوه سياساته». الجلسة الثالثة : الخليج وهلسنكي ركزت الجلسة الثالثة لملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثالث، والتي عقدت تحت عنوان «التعاون الإقليمي في الخليج: هلسنكي نموذجاً»، على تحليل التحولات التي طالت توازن القوى بين مجلس التعاون الخليجي وإيران، وبحث بدائل ممكنة للعلاقات بين الطرفين من قبيل تطبيق نموذج مماثل لاتفاقية هلسنكي التي وضعت عام 1975 أسساً جديدة لتطويق الأزمات وحفظ الأمن والتعاون بين دول شرق وغرب أوروبا خارج أطر الحرب الباردة التي كانت سائدة آنذاك.واختلف تقييم الحاضرين لعناصر القوة بين دول الخليج وإيران، حيث رأى عبدالرحمن الراشد، عضو مجلس إدارة مجموعة «إم بي سي» الإعلامية والكاتب في صحيفة «الشرق الأوسط»، أن «دول الخليج طورت تدريجياً من قوتها منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي إلى أن وصلت إلى المستوى الذي سمح لها بالتدخل في اليمن». ولم ير الدكتور سيد حسين موسويان، الباحث المختص في شؤون الأمن والسياسات النووية بالشرق الأوسط في جامعة برنستون والدبلوماسي الإيراني السابق، إلّا فشلاً في تجربة مجلس التعاون، لأنه «فشل في احتواء إيران الذي كان هدفاً من وراء إنشائه»، حسب قوله، و«فشل في حماية الكويت من الغزو العراقي، ولم يحقق نجاحاً يذكر في اليمن»، حيث رأى أن «دول الخليج لم تنجح في تطوير نموذج مستقل للقوة وزاد بالمقابل اعتمادها على الشريك الأمريكي».أمّا الدكتور مايكل سينغ، عضو مجلس الإدارة المنتدب والباحث في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، فقد أعرب عن اعتقاده بأن «دول مجلس التعاون الخليجي ليست خاضعة للولايات المتحدة بقدر ما هي شريك قوي لها».وانبرى الدكتور سلطان النعيمي، الخبير في الشؤون الإيرانية، وعضو هيئة تدريس في جامعة أبوظبي للرد على ما جاء في كلمة موسويان مشيراً إلى «تناقض إيران التي تنتقد الاستعانة بقوى خارجية بينما ترحب بالتدخل الروسي في سوريا وتفتح قواعدها في همدان للقوات الروسية.وأشار إلى إن نجاح نموذج مماثل لهلسنكي يتطلب «الإبقاء على توازن القوى في المنطقة وإبداء الرغبة الحقيقية في الاستقرار». وقال عبدالرحمن الراشد «الظروف التي توفرت لهلسنكي غير متوفرة الآن خاصة في وجود توجهات إيرانية واضحة نحو الهيمنة».


الخبر بالتفاصيل والصور


emaratyah

أكد الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، أن على إيران أن تغتنم الفرصة لإيقاف تدخلها في شؤون الدول العربية، ووقف دعمها وتمويلها لزعزعة الاستقرار في اليمن والبحرين والعراق وسوريا، إذ إن سياسة إيران الإقليمية تعكس الانقسام في المجتمع الإيراني الذي تسيطر عليه السياسة الخامنئية، كما أنها استقوت بالاتفاق النووي الذي أُبرم مع مجموعة 5+1، والذي كان فرصة حقيقية وتاريخية لها للبدء بعمل بنّاء تجاه جيرانها العرب، لكنها اختارت مواصلة توسعها السياسي، وذلك بدعمها للطائفية، مشدداً بخصوص الحوار الإماراتي مع إيران: «نحن لا نرفض الحوار معها شريطة أن يكون بنّاءً وحقيقياً، وقائماً على أساس سلسلة مبادئ واضحة تحترم سيادة الدول العربية، ويجب عليها أن تتصرف كدولة بدلاً من أن تتصرف كمصدّر للثورة وعدم الاستقرار».
جاء ذلك خلال الكلمة الرئيسية التي ألقاها قرقاش خلال افتتاح ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثالث، أمس، الذي ينظمه مركز الإمارات للسياسات بالتعاون مع وزارة الخارجية والتعاون الدولي، و«مجلس الأطلسي»، ويستمر على مدار يومين في قصر الإمارات بالعاصمة أبوظبي بحضور أكثر من 400 شخصية».
دعا قرقاش لبناء مركز عربي معاصر، بمساهمة المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية كونهما يمثلان ركيزة للاستقرار، والمجتمع الدولي بحاجة لإشراك هذين البلدين، مؤكداً أنه يجب التفكير بطريقة مبتكرة ومبدعة لتطوير المنظومة العربية من أجل الخروج من الفوضى الراهنة، وأن الإمارات لعبت دوراً حاسماً لتحقيق هذه البنية الإقليمية الجديدة، لأنه ليس هناك من بديل عن التعاون الوثيق والتنسيق الوثيق بين الدول العربية في فترة تشهد فرطاً وزيادة في عدم اليقين الدولي، لتحمل مسؤوليات إقليمية أكبر.
وقال قرقاش «نحن في دولة الإمارات نشعر بالفخر إزاء ما حققناه من خلال الاستثمار على المدى البعيد في شعبنا، والتزامنا تجاه الاقتصاد المفتوح، وهكذا أصبحت الإمارات مركزاً مفتوحاً للتجارة والاقتصاد ورائدة إقليمياً، لكن النموذج الإماراتي ليس وحيداً وفريداً من نوعه، والشرق الأوسط لديه إمكانات هائلة لتجاوز التحديات الراهنة، ونعتقد أن نجاح نموذجنا يمكن أن يكون مصدر إلهام في منطقة تواجه القلاقل، ولتمكين المنطقة من تحقيق أهدافها ستواصل دولتنا السعي للدفع باتجاه التسامح وتمكين المرأة وتوفير الفرص للشباب، وهذه القيم هي أساس التنمية في الإمارات، وفي صلب السياسة الخارجية المعتدلة للإمارات، وهذا مهم وبشكل خاص، بينما نسعى لتحقيق استقرار المنطقة والسعي نحو تجاوز الوضع الراهن بدلاً من النظر والتركيز على الداخل، والدولة ستواصل النظر إلى الخارج، لأنها تأمل في رؤية جيرانها العرب يزدهرون بطريقة يستفيدون منها جميعاً، ونحن نؤمن حقاً بأننا سنزدهر، ونكون أكثر أمناً في منطقة يعمها النجاح، وتعيش في سلام مع نفسها، ورؤيتنا في السياسة الخارجية الإماراتية التي ترتكز على رحلتنا الوطنية ستتواصل كأساس وتكون مثالًا للأمل في منطقتنا، والإمارات كانت صريحة دائماً في رسائلها وواثقة بقناعتها، ونأمل أن يواصل أصدقاؤنا ذلك، وهذا جلب الانتقاد لنا، لكننا مؤمنون بالسبيل الذي نسير فيه والرؤية التي نريدها لمنطقتنا، وهذه الرسالة سنواصل إيصالها ومتابعتها بالشراكة مع أصدقائنا وحلفائنا».
وأوضح الدكتور أنور قرقاش، أن في العقد الماضي كان التركيز على الشأن الداخلي وتجاهل تحديات المنطقة هو وصفة للفوضى والعنف اللذان تشهدهما سوريا والعراق وليبيا، مضيفاً: وشهدنا أزمات تتفاقم، وبالتأكيد الدرس الذي تعلمناه من التجارب الأخيرة، أنه ليس هناك بديل لمواجهة هذه الأزمات والحد من انتشارها، إلّا بالعمل المشترك واتخاذ القرارات الصعبة والبحث المستمر لإيجاد حلول بناءة، وذلك لمواجهة التشدد وعدم استقرار المجتمعات، ولكسر دائرة عدم الاستقرار.
وأكد أن من الأمور التي تأتي في صلب سياسة الإمارات الخارجية أن المجتمع الدولي لا يمكن له أن يدير فقط الأزمات في الشرق الأوسط، وإنما يجب عليه أن يتحول إلى حل وتسوية هذه الأزمات، إذ إن الإخفاق في علاقاته أدى لكوارث مدمرة، والأزمات امتدت لأزمات فرعية، الأمر الذي فرض عبئاً اقتصادياً وإنسانياً كبيراً، متابعاً: «والصراع الفلسطيني «الإسرائيلي» يوضح ماذا يحدث حين نخفق في اتخاذ القرارات المناسبة على مدار 60 عاماً، والقضية الفلسطينية كانت مصدراً لعدم الاستقرار الإقليمي وانتشار التشدد والكثير من الحروب، كما أثرت على الاتفاق الإقليمي والدولي، وحتى لو كان الحل السياسي متاحاً فإن هناك عدم إرادة سياسية للقيام بالخطوات الضرورية في اليمن وليبيا، وعلى الرغم من جميع الصعوبات، هناك آليات إيجابية موجودة، وخرائط طريق لإيجاد حل سياسي، والعمل معاً من أجل الوصول إلى هذه السياسات، والإمارات تعمل بنشاط مع شركائها لدعم هذه العمليات، ففي اليمن خريطة طريق الأمم المتحدة توفر مخرجاً والمجتمع الدولي بحاجة اليوم لاستخدام جميع وسائل الضغط المتوفرة لديه للتأكد من أن الأطراف اليمنية تقبل وتنفذ خريطة الطريق هذه، أفهم أن طريق المستقبل ليس سهلاً، ولكن بالتأكيد هو أفضل من استمرار المواجهة، وفي ليبيا فإن الخروج من الفوضى الراهنة هو من خلال الاتفاق الليبي الذي تم توقيعه في المغرب، وما نحتاج إليه هو أن على الأطراف الليبية تجاوز القضايا العالقة، وتنفيذ عادل للاتفاق، وفيما يتعلق بأزمة سوريا، لا يمكن للعالم أن يدير ظهره لمسؤولياته تجاهها، وعلينا أن نضاعف جهودنا لإيجاد تسوية للصراع الذي يمتد عنفه، وللأسف فإن الآفاق السياسية غير مشجعة والأزمة السورية تواصل تمزيق الشعب السوري وبلده. والعناصر الجيوسياسية للأزمة تتجلى في أن النظام يعتقد أن بإمكانه تحقيق نصر عسكري يعيق الدور الذي نحتاجه للوصول لتسوية الأزمة.
وأشار إلى أنه فيما يتصل بجهود الإمارات لإنهاء الأزمات في المنطقة، يكمن التزامها في محاربة الإرهاب والتشدد، إذ إن الدولة ترى أن الرابط بين إيديولوجيات التطرف والعمل الإرهابي واضح المعالم، ولا يمكن مواجهة أحدهما دون الآخر، وعلاوة على ذلك تدرك الدولة أن مواجهة التشدد والإرهاب يمثل تحدياً طويل الأمد، وهذا الفهم هو أساسي في جهدها الرامي لمواجهة التشدد والإرهاب، وذلك يتطلب استخدام الكثير من الأدوات في حربها الطويلة، بما في ذلك التحكم في التدفقات المالية ومنها إيديولوجية وخطاب المتشددين، لافتاً إلى أن الإمارات عضو نشط في التحالف الدولي لمحاربة «داعش»، وتدعم الجهد الدولي لتدمير «داعش» والقضاء عليه، ومعركة تحرير الموصل نقطة تحول أساسية في هذا الجهد، بينما تكمن الأولوية في هزيمة «داعش»، وتواصل التعبير عن قلقها بشأن العنف الطائفي ضد المدنيين الأبرياء وتشعر أن ذلك يزعزع استقرار العراق المستقبلي، مشدداً على أنه من أجل حرمان المتشددين من قاعدة الدعم ووضع الأساس للسلم والاستقرار فإنه ينبغي بذل جهود سياسية أكبر لإعادة المصالحة بين العراقيين، وهذا يتطلب بالأساس العمل، وتمكين السلطة في العراق، لأن وجود الدولة الموحدة الخالية من الخطاب الطائفي، يظل الخيار الأفضل ضد سياسات التطرف وعدم الاستقرار، وفيما تواصل الإمارات المساهمة في جهود تسوية النزاعات من المهم أيضاً تسليط الضوء على القضايا الأساسية التي تؤدي إلى الفوضى في المنطقة، وهذا يؤدي لإحدى ركائز سياسة الإمارات الخارجية، لا سيما الحاجة لتمكين الدول إزاء بروز الطائفية الخطرة، إذ إن العالم العربي يدفع ثمناً باهظاً بسبب الأجندات الطائفية التي روّج لها لاعبون إقليميون وجماعات غير حكومية لزرع الكراهية.
وأشار وزير الدولة للشؤون الخارجية، إلى أن أحداث الأسبوع الماضي أثبتت مجدداً أن السياسة لا يمكن توقعها، وأنه في ظل النظام الدولي الجديد الدور الأمريكي أساسي، والاتجاهات المستقبلية للسياسة الخارجية الأمريكية تثير الكثير من التكهنات والقلق، ويتبع ذلك بروز الشعور الشعبوي لمناطق العالم، إذ لم يتم تقدير حجم هذا الشعور وعمقه بعد.
وأردف قائلاً «نحن نواجه نظاماً دولياً متغيراً يحتاج لقيادة حكيمة ولاستقرار، العالم الذي نعيش فيه، تزداد الشكوك فيه في المجالات الاقتصادية والسياسية، وتأثير هذه التطورات نشعر به بشكل حاد في الدول العربية والشرق الأوسط، وهذا ليس بالأمر الغريب، بينما لا نعرف كيف ستتم صياغة السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية، وتأثير ذلك على منطقتنا لكننا متأكدون من أن على الدور الأمريكي أن يظل حاسماً من أجل ضمان نظام عالمي مسالم ومستقر ويمكن التنبؤ به، وعلى الرغم من أننا نعيش في عالم متعدد الأقطاب فإن وزن واشنطن وتأثيرها يظلان أكثر أهمية من أي وقت مضى بعد ثماني سنوات من ضعف الدور الأمريكي في المنطقة، رأى البعض أن ذلك أدى إلى هذا الفراغ، ويبدو أننا سننتظر فترة أطول حتى يتم تحديد ملامح السياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ومن الأهمية بمكان وجود استراتيجية شاملة بدلاً من المواقف المنعزلة تجاه القضايا الإقليمية، والدور الأمريكي مهم، وانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية له آثار عكسية، ولكن في عالمنا اليوم، استقرار المنطقة لا يمكن أن يتوقف على الدور الأمريكي فقط، لأن أطرافاً أخرى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي لها أيضاً دور مهم تلعبه، ولذلك فإن السياسة الخارجية ترمي إلى توثيق وتعزيز العلاقات مع هذه الدول، إلا أن حل المشاكل الإقليمية يتطلب دوراً مهماً من الولايات المتحدة الأمريكية، بمعنى أن المجتمع الدولي يجب أن يعكس الإخفاقات التي شهدناها في السنوات الأخيرة لتوفير دور أكثر نشاطاً وفعالية بدلاً من عكس التوترات الإقليمية، ويجب أن نسعى معاً لتمكين الأمين العام المنتخب الجديد لعكس هذه الانتكاسات، ودولة الإمارات تدرك أنه يجب العمل مع شركائنا وأصدقائنا لخفض التوتر في المنطقة، وهذا برأينا سينتج نتائج إيجابية من أجل السلام والاستقرار العالميين، وحتى بمعايير الشرق أوسطية فهذه أوقات استثنائية وصعبة، والأزمات الإقليمية تعرض وجود الدول للخطر وتمزق النسيج الهش للكثير من المجتمعات في الشرق الأوسط».
بدورها، أشارت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيس مركز الإمارات للسياسات في كلمتها الافتتاحية للملتقى، إلى أن من أهداف ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثالث، محاولة استشرافِ خريطةِ تحولاتِ القوة وتوزيعِها في النظام الدولي المتغير، واستثمار حضورِ النخبِ المؤثِّرةِ في توجيهِ السياسات على المستويَين الإقليمي والدولي لإفادة صناع القرار في أبوظبي من هذه النخب، وما تطرحه من مبادرات ومشروعات وأفكار.

الجلسة الأولى: نظام متغير

ركزت الجلسة الأولى من الملتقى «الخليج في نظام دولي متغير» والتي أدارها تركي الدخيل، مدير عام قناة العربية الإخبارية، على تقييم تجربة العمل المشترك للدول الخليجية، ورصد التحديات الماثلة أمامها جراء ما يعتمل في محيطها المباشر من قلاقل، ونتيجة التحولات التي يشهدها العالم على المستويين السياسي والاقتصادي.
وأجمل الدكتور صباح السالم الصباح، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية السابق في دولة الكويت، التحديات والمخاطر التي تواجه الأمن الإقليمي فيما اصطلح عليها «الآيات الثلاث»: «إيران، إرهاب، «إسرائيل»»، قائلاً «إن الظرف الذي تمر به المنطقة والعالم صعب للغاية، ونحن متوجهون إلى مزيد من عدم اليقين في 2017 بسبب التغيرات المحتملة التي قد تطرأ على المشهد الجيوسياسي بعد انتخاب رئيس جديد في الولايات المتحدة، واستحقاقات «البريكست» في بريطانيا وتأثيراتها المحتملة على الاتحاد الأوروبي، والانتخابات التي ستُجرى في ألمانيا وفرنسا وسط تصاعد لمعارضة الحكومات القائمة».
وشدد الصباح على أهمية العامل الاقتصادي في خريطة التحديات التي تواجه دول المنطقة قائلاً «العالم يمر بكساد طويل الأمد لم يشهد له مثيلاً منذ ذاك الذي تلا أزمة 1929، وهذا الكساد ليس ناجماً عن سياسات اقتصادية بقدر ما هو نتيجة لتغير البنية الاجتماعية والسياسية لمجتمعات الدول المتقدمة، والتي دخلت حالة من الشيخوخة».
ومن جانبها، أكدت الدكتورة ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، أن «مجلس التعاون لدول الخليج العربية حقق نجاحات كثيرة واستطاع إكمال المسيرة رغم مواجهته لأزمات عاصفة، وضربت مثالاً على ذلك بالتعاون الأمني والعسكري الذي كان مثالياً في حالات البحرين واليمن وقبلهما أثناء غزو الكويت كما اعتبرت أن «سقف توقعات المواطنين الخليجيين أكبر بكثير من سرعة أداء المجلس».
وأشارت إلى أن المشكلة ليست في القادم الجديد للبيت الأبيض ولكنها في ما الذي تريده دول الخليج، معتبرة أن على هذه الدول ألا تكرر الأخطاء السابقة وترهن نفسها بالقوى العالمية، داعية إلى تطوير موقف خليجي موحد وتنويع الشراكات مع بقية الفاعلين الرئيسيين على الساحة الدولية.

الجلسة الثانية : تراجع القوى

تناولت الجلسة الثانية من ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثالث 2016 التي عقدت تحت عنوان جلسة «القوى التقليدية والمتراجعة في نظام عالمي متغير» على ملامسة التحول الذي طال الركائز الأساسية للنظام الدولي خلال عام 2016، ومحاولة رسم خريطة توزيع القوة في العالم والمنطقة وتصنيف القوى الإقليمية والدولية ومستوى حضورها وتدخلها.
واستهل الجلسة الدكتور مارك عبداللهيان، أستاذ في كلية العلوم الاجتماعية والسياسات في جامعة كليرمونت للدراسات العليا، والرئيس التنفيذي في شركة «إيسرتاس» للاستراتيجيات والتحليلات، بالتأكيد على وجود «تحولات هائلة على مختلف الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية أدت إلى ظهور خريطة عالمية متعددة القوى»، مضيفاً أن هذه التحولات تفرض تحديات مشتركة على صعيد «هيكلية التنمية الاجتماعية والاقتصادية وقدرة الحكومات على توفير ما يحتاجه الأفراد والجماعات».
وصدق الدكتور زيد عيادات، أستاذ العلوم السياسية في جامعتي كونيتيكت وجورج تاون، ومستشار «مركز الإمارات للسياسات»، على الرأي القائل بتراجع أدوار الدولة التقليدية لصالح الفاعلين ما دون الدولة، مشيراً إلى عاملين محددين في هذا الباب، أولها التكنولوجيا، والناس الذين يغيرون العالم من خلال الهجرة» مؤكداً أن حركة الأشخاص العابرة للحدود تعيد صياغة النظام العالمي.
وأعطى الدكتور روي كامبهاوزن، نائب الرئيس لشؤون البحث، ومدير مكتب واشنطن، في «المركز الوطني للبحوث الآسيوية»، قراءة مختلفة لتحول القوى على الخريطة العالمية.
وفي ختام الجلسة تناول الكلمة عمرو موسى، الأمين العام الأسبق للجامعة العربية، ليؤكد أن هنالك نماذج جديدة في العالم لدول وقوى إقليمية بدأت تستعمل قوة الرفض وتقول «كفى، لقد طفح الكيل»، ضارباً مثلاً على ذلك بالفلبين وموقفها تجاه العلاقات مع أمريكا في بحر الصين.
وأضاف: «هنالك مراجعات آسيوية تجاه العلاقات مع أمريكا، وقد تعلمت هذه الدول من تجربتنا في الشرق الأوسط، بعدما أصبحت لديها شكوك حيال التزام أمريكا طويل الأمد». وتعليقاً على فوز دونالد ترامب، دعا إلى التأني في إصدار أحكام، مشيراً إلى وجود «عنصر مجهول مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض»، مضيفاً: «علينا أن ننتظر أن يطلع على الملفات وتقارير مختلف الوكالات ومراكز القرار قبل أن نتوقع الاتجاه الذي ستنحوه سياساته».

الجلسة الثالثة : الخليج وهلسنكي

ركزت الجلسة الثالثة لملتقى أبوظبي الاستراتيجي الثالث، والتي عقدت تحت عنوان «التعاون الإقليمي في الخليج: هلسنكي نموذجاً»، على تحليل التحولات التي طالت توازن القوى بين مجلس التعاون الخليجي وإيران، وبحث بدائل ممكنة للعلاقات بين الطرفين من قبيل تطبيق نموذج مماثل لاتفاقية هلسنكي التي وضعت عام 1975 أسساً جديدة لتطويق الأزمات وحفظ الأمن والتعاون بين دول شرق وغرب أوروبا خارج أطر الحرب الباردة التي كانت سائدة آنذاك.
واختلف تقييم الحاضرين لعناصر القوة بين دول الخليج وإيران، حيث رأى عبدالرحمن الراشد، عضو مجلس إدارة مجموعة «إم بي سي» الإعلامية والكاتب في صحيفة «الشرق الأوسط»، أن «دول الخليج طورت تدريجياً من قوتها منذ إنشاء مجلس التعاون الخليجي إلى أن وصلت إلى المستوى الذي سمح لها بالتدخل في اليمن».
ولم ير الدكتور سيد حسين موسويان، الباحث المختص في شؤون الأمن والسياسات النووية بالشرق الأوسط في جامعة برنستون والدبلوماسي الإيراني السابق، إلّا فشلاً في تجربة مجلس التعاون، لأنه «فشل في احتواء إيران الذي كان هدفاً من وراء إنشائه»، حسب قوله، و«فشل في حماية الكويت من الغزو العراقي، ولم يحقق نجاحاً يذكر في اليمن»، حيث رأى أن «دول الخليج لم تنجح في تطوير نموذج مستقل للقوة وزاد بالمقابل اعتمادها على الشريك الأمريكي».
أمّا الدكتور مايكل سينغ، عضو مجلس الإدارة المنتدب والباحث في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى»، فقد أعرب عن اعتقاده بأن «دول مجلس التعاون الخليجي ليست خاضعة للولايات المتحدة بقدر ما هي شريك قوي لها».
وانبرى الدكتور سلطان النعيمي، الخبير في الشؤون الإيرانية، وعضو هيئة تدريس في جامعة أبوظبي للرد على ما جاء في كلمة موسويان مشيراً إلى «تناقض إيران التي تنتقد الاستعانة بقوى خارجية بينما ترحب بالتدخل الروسي في سوريا وتفتح قواعدها في همدان للقوات الروسية.
وأشار إلى إن نجاح نموذج مماثل لهلسنكي يتطلب «الإبقاء على توازن القوى في المنطقة وإبداء الرغبة الحقيقية في الاستقرار».
وقال عبدالرحمن الراشد «الظروف التي توفرت لهلسنكي غير متوفرة الآن خاصة في وجود توجهات إيرانية واضحة نحو الهيمنة».

رابط المصدر: قرقاش: على إيران التصرف كدولة بدلاً من تصدير الثورة وعدم الاستقرار

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً