سقوط درامي للحل الأممي في ليبيا

في ليلة واحدة قرر خليفة الغويل، رئيس الحكومة الليبية السابق، وضع حد لحكومة «الوفاق الوطني» برئاسة فايز السراج، المدعومة من الأمم المتحدة. في ليلة واحدة

اكتشف العالم محدودية التأثير الذي تملكه المجموعة الدولية، في بلد يتمتع شعبه بثقافة سياسية شديدة العداء للتدخل الأجنبي في شؤونه الداخلية.في ليلة واحدة تبين أن جهوداً دولية متراكمة خلال شهور طويلة، ومفاوضات صعبة يمكن أن تسقط ببيان واحد، ودون قتيل أو جريح واحد، إذ لم يدافع أحد عن السراج حتى أولئك الذين تولوا حراسة مبنى حكومته، وهذا يظهر إلى أي حد كانت سلطته افتراضية وسطحية. معلوم أن خليفة الغويل، رئيس الوزراء السابق، الذي يمثل مجموعة «فجر ليبيا»، قد توارى عن المسرح السياسي بعد دخول السراج إلى طرابلس في مارس/آذار الماضي. لكنه بادر في 14 أكتوبر/تشرين الأول الحالي إلى إزاحة غريمه، بل طالب باعتقاله مع أفراد حكومته ومجلسه الرئاسي، إذا ما تخطوا الحدود الليبية. رد السراج بالطلب إلى وزير داخليته اعتقال «الانقلابيين» وتقديمهم للمحاكمة.لم يكن معروفاً من أي مكان يتحدث السراج ولم يره أحد في طرابلس، في حين تشير معلومات شبه مؤكدة، إلى أنه تمكن من التوجه إلى مالطا، وأنه يقيم فيها ويتحدث منها. لكن من ينفذ أوامره؟ الراجح لا أحد، لأن القوة المسلحة التي غضت الطرف عنه عندما جاء إلى طرابلس، هي نفسها التي عادت فأيدت الغويل. والقوة المسلحة الأخرى التي باركت تعيينه تنتسب إلى مصراتة، وهي تقاتل اليوم «داعش» في سرت، ويقال إنها أصيبت بخسائر بشرية فادحة وباتت غير قادرة على حماية رئيس الوزراء، أو إنها التزمت الصمت ولم تعترض على إطاحة السراج الذي بدا عاجزاً خلال الشهور الماضية ليس فقط عن تحقيق الائتلاف بين القوى المتصارعة في شرق ليبيا وغربها، وإنما أيضاً عن توفير الرواتب الشهرية للميليشيات التي كانت تؤيده.نخلص إذن إلى نتيجة أولية، مضمونها أن رئيس حكومة «الوفاق الوطني»، التي تحظى بإجماع دولي، عاجزة عن حماية وجودها في مربع خاص في العاصمة الليبية. وسواء تراجع الانقلابيون، أو عاد فايز السراج إلى الحكم، فهذا لا يغير شيئاً من حقيقة الأمر على أرض الواقع الليبي، الذي ينطوي على مراكز قوى متعددة ومتنافرة، لا يريد أي منها اتباع غيره.الواضح أن ما وقع في طرابلس يتعدى شخص فايز السراج إلى حال البلد، الذي يتخبط خلال خمس سنوات في سيرورة عنف وفلتان أمني جعله قاعدة أساسية للتهريب وتجارة الأسلحة والإرهاب، وممراً للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، ومسرحاً لحروب صغيرة وجهوية لا تنتهي.أكبر الظن أن الصفعة التي تلقتها الأمم المتحدة في طرابلس عبر إزاحة السراج، مردها إلى اعتراض الأمم المتحدة نفسها على حل ليبي كان وشيكاً في نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، حيث اجتمع رئيسا البرلمان الشرعي والمنتهية ولايته في مالطا وقررا تشكيل حكومة وحدة وطنية ليبية. وبدا أن الاتفاق بين الطرفين فرصة عظيمة لطي صفحة الأزمة، بيد أن الدول الأوروبية مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، رفضت هذا الحل وقررت أن ما يناسب ليبيا هو فايز السراج وحكومته وبذلت جهوداً حثيثة لهذه الغاية، إلى أن استقر في طرابلس، لكنه رفض المصالحة مع برلمان طبرق خوفاً من داعميه المحليين في الغرب الليبي، وعجز عن التصدي للجنرال خليفة حفتر الذي سيطر على الهلال النفطي قابضاً بيده على ثروة ليبيا الأساسية وبتأييد من قبائل مهمة في الشرق الليبي.تلك كانت حال السراج، قبل الإطاحة به، وتلك حاله إن عاد إلى الحكم في طرابلس وهو احتمال تتراجع أسهمه يوماً بعد يوم، ما يعني أن الأزمة الليبية مفتوحة في الأفق المنظور على ثلاثة احتمالات أساسية.الاحتمال الأول وهو الأضعف، ينطوي على عودة السراج بضغوط دولية كتلك التي سبقت حضوره إلى طرابلس، وبالتالي توفير حماية له في مربع أمني، والتعاطي مع ليبيا من خلاله.الاحتمال الثاني ينطوي على مفاجأة قد يتم كشف النقاب عنها خلال الأيام المقبلة، حيث شاعت أنباء عن اتصالات سرية بين الشرق والغرب الليبيين بدعم من مصراتة والزنتان، لتشكيل حكومة وحدة وطنية ليبية، على قاعدة الاتفاق الذي تم في مالطا بين رئيسي البرلمان في أواخر العام الماضي. وتؤيد التطورات على الأرض هذا الاحتمال.الاحتمال الثالث ينطوي على تجدد الصراع بين مراكز القوى والبحث مجدداً عن حسم الأزمة بالوسائل العسكرية، وفي هذه الحال يمكن أن تصبح ليبيا بلداً مفتوحاً على كل أنواع المخاطر.


الخبر بالتفاصيل والصور


في ليلة واحدة قرر خليفة الغويل، رئيس الحكومة الليبية السابق، وضع حد لحكومة «الوفاق الوطني» برئاسة فايز السراج، المدعومة من الأمم المتحدة. في ليلة واحدة اكتشف العالم محدودية التأثير الذي تملكه المجموعة الدولية، في بلد يتمتع شعبه بثقافة سياسية شديدة العداء للتدخل الأجنبي في شؤونه الداخلية.

في ليلة واحدة تبين أن جهوداً دولية متراكمة خلال شهور طويلة، ومفاوضات صعبة يمكن أن تسقط ببيان واحد، ودون قتيل أو جريح واحد، إذ لم يدافع أحد عن السراج حتى أولئك الذين تولوا حراسة مبنى حكومته، وهذا يظهر إلى أي حد كانت سلطته افتراضية وسطحية.
معلوم أن خليفة الغويل، رئيس الوزراء السابق، الذي يمثل مجموعة «فجر ليبيا»، قد توارى عن المسرح السياسي بعد دخول السراج إلى طرابلس في مارس/آذار الماضي. لكنه بادر في 14 أكتوبر/تشرين الأول الحالي إلى إزاحة غريمه، بل طالب باعتقاله مع أفراد حكومته ومجلسه الرئاسي، إذا ما تخطوا الحدود الليبية. رد السراج بالطلب إلى وزير داخليته اعتقال «الانقلابيين» وتقديمهم للمحاكمة.

لم يكن معروفاً من أي مكان يتحدث السراج ولم يره أحد في طرابلس، في حين تشير معلومات شبه مؤكدة، إلى أنه تمكن من التوجه إلى مالطا، وأنه يقيم فيها ويتحدث منها. لكن من ينفذ أوامره؟ الراجح لا أحد، لأن القوة المسلحة التي غضت الطرف عنه عندما جاء إلى طرابلس، هي نفسها التي عادت فأيدت الغويل. والقوة المسلحة الأخرى التي باركت تعيينه تنتسب إلى مصراتة، وهي تقاتل اليوم «داعش» في سرت، ويقال إنها أصيبت بخسائر بشرية فادحة وباتت غير قادرة على حماية رئيس الوزراء، أو إنها التزمت الصمت ولم تعترض على إطاحة السراج الذي بدا عاجزاً خلال الشهور الماضية ليس فقط عن تحقيق الائتلاف بين القوى المتصارعة في شرق ليبيا وغربها، وإنما أيضاً عن توفير الرواتب الشهرية للميليشيات التي كانت تؤيده.

نخلص إذن إلى نتيجة أولية، مضمونها أن رئيس حكومة «الوفاق الوطني»، التي تحظى بإجماع دولي، عاجزة عن حماية وجودها في مربع خاص في العاصمة الليبية. وسواء تراجع الانقلابيون، أو عاد فايز السراج إلى الحكم، فهذا لا يغير شيئاً من حقيقة الأمر على أرض الواقع الليبي، الذي ينطوي على مراكز قوى متعددة ومتنافرة، لا يريد أي منها اتباع غيره.

الواضح أن ما وقع في طرابلس يتعدى شخص فايز السراج إلى حال البلد، الذي يتخبط خلال خمس سنوات في سيرورة عنف وفلتان أمني جعله قاعدة أساسية للتهريب وتجارة الأسلحة والإرهاب، وممراً للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، ومسرحاً لحروب صغيرة وجهوية لا تنتهي.

أكبر الظن أن الصفعة التي تلقتها الأمم المتحدة في طرابلس عبر إزاحة السراج، مردها إلى اعتراض الأمم المتحدة نفسها على حل ليبي كان وشيكاً في نوفمبر / تشرين الثاني الماضي، حيث اجتمع رئيسا البرلمان الشرعي والمنتهية ولايته في مالطا وقررا تشكيل حكومة وحدة وطنية ليبية. وبدا أن الاتفاق بين الطرفين فرصة عظيمة لطي صفحة الأزمة، بيد أن الدول الأوروبية مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، رفضت هذا الحل وقررت أن ما يناسب ليبيا هو فايز السراج وحكومته وبذلت جهوداً حثيثة لهذه الغاية، إلى أن استقر في طرابلس، لكنه رفض المصالحة مع برلمان طبرق خوفاً من داعميه المحليين في الغرب الليبي، وعجز عن التصدي للجنرال خليفة حفتر الذي سيطر على الهلال النفطي قابضاً بيده على ثروة ليبيا الأساسية وبتأييد من قبائل مهمة في الشرق الليبي.

تلك كانت حال السراج، قبل الإطاحة به، وتلك حاله إن عاد إلى الحكم في طرابلس وهو احتمال تتراجع أسهمه يوماً بعد يوم، ما يعني أن الأزمة الليبية مفتوحة في الأفق المنظور على ثلاثة احتمالات أساسية.

الاحتمال الأول وهو الأضعف، ينطوي على عودة السراج بضغوط دولية كتلك التي سبقت حضوره إلى طرابلس، وبالتالي توفير حماية له في مربع أمني، والتعاطي مع ليبيا من خلاله.

الاحتمال الثاني ينطوي على مفاجأة قد يتم كشف النقاب عنها خلال الأيام المقبلة، حيث شاعت أنباء عن اتصالات سرية بين الشرق والغرب الليبيين بدعم من مصراتة والزنتان، لتشكيل حكومة وحدة وطنية ليبية، على قاعدة الاتفاق الذي تم في مالطا بين رئيسي البرلمان في أواخر العام الماضي. وتؤيد التطورات على الأرض هذا الاحتمال.

الاحتمال الثالث ينطوي على تجدد الصراع بين مراكز القوى والبحث مجدداً عن حسم الأزمة بالوسائل العسكرية، وفي هذه الحال يمكن أن تصبح ليبيا بلداً مفتوحاً على كل أنواع المخاطر.

رابط المصدر: سقوط درامي للحل الأممي في ليبيا

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً