دروس على طريق صعب بين حلب ورواندا

تكثف كل من القوات الروسية والسورية هجومها المدمر على حلب، في أعقاب وقف إطلاق النار الفاشل. فقد سقط، أخيراً، المزيد من مئات القتلى، بينهم 106 أطفال على الأقل، وذلك ضمن صراع أوسع نطاقاً راح ضحيته أكثر من 400 ألف شخص. ويصف الأمين العام للأمم

المتحدة بان كي مون حلب، التي كانت ثاني أكبر مدينة سورية، بأنها الآن «أسوأ من المسالخ»، في حين أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أن التدمير «بربري»، وقد قال إن الأمر يمنعه، أحياناً، من النوم ليلاً. لكنه لا يزال حازماً في رفضه التدخل، قائلاً إن بلاده يمكنها تقديم فائدة ضئيلة في حرب أهلية يبدو أن أطرافها عازمون على «حرق البلاد كلياً». يتصارع الرئيس أوباما مع المعضلة ذاتها التي واجهت الرؤساء، وذلك على الأقل منذ خروج أميركا من الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى عصية على الهزيمة، ربما كدولة تنقر في الواجب الأخلاقي للتحرك ضد التقييم الواقعي للأمور النافعة التي سيحققها ذلك الإجراء. وعلى الرغم من الصور المنهالة من حلب يومياً، والتي تدمي القلوب، عمد أوباما لإمالة الميزان الذي يزن الأخلاق والبراغماتية، تجاه الجانب الأخير، وبكل حزم، وذلك كما فعل طوال فترة رئاسته عندما جاء بخيار التدخل العسكري. وبالمقابل، أعرب توماس هنريكسن، وهو باحث في السياسة الخارجية في معهد هوفر في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، عن اعتقاده بأن: «أوباما لا يتحرك، وبشكل واضح، عن طريق الأبعاد الأخلاقية لهذا الأمر، أو كما لو أنه لا يظهر ذلك»، مضيفاً أنه يتحرك بما يتفق مع مبادئ حكمه، وقد قال منذ البداية إنه لن يشرع في إيجاد حرب في الشرق الأوسط. وعلى الأرجح، يشعر معظم الأميركيون بأن «قلوبهم تنفطر» على الشعب السوري المحاصر، لكننا لا نرى أن أوباما يسمح للأمور التي تجري في القلب بأن ترجح قناعاته الواقعية حول ما يمكن لبلاده القيام به. يتأثر الرؤساء بثلاثة عوامل رئيسية في مسألة التفكير بإجراء تدخلات عسكرية، وهي تتمثل، كما يقول الخبراء، في قناعاتهم الخاصة، وضغط الرأي العام، وفرص تحقيق التدخل للنجاح. فبعد فيتنام وحتى حرب العراق، كان الرؤساء مترددين، عادة، في التدخل لأسباب أخلاقية، تعزيزاً للديمقراطية ومنعاً للمجازر، ذلك ما لم تكن هنالك احتمالات جيدة لإجراء حملة دخول وخروج سريعة، وذلك وفقاً للخبراء. ومنذ حرب الخليج حتى اليوم، على سبيل المثال، أطلق الرئيس جورج دبليو بوش حرب الخليج على أساس انتهاك الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين للقانون الدولي عن طريق غزوه للكويت. ولكن بوش كان يرفض التدخل لوقف التطهير العرقي، اللاحق، في منطقة البلقان، ويشير الباحث توماس هنريكسن إلى نصيحة وزير الخارجية الأميركي وقتها، جيمس بيكر، حيث قال: «لم يكن لدينا كلب في تلك المعركة». كان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون متردداً أيضاً في التدخل في البلقان، حتى فترة إعادة انتخابه، التي واجه فيها ضغوطاً سياسية لـ «عدم القيام بأي شيء بشأن البوسنة». ويقول هنريكسن: «لم يكن كلينتون يميل للتدخل، فقد تجنب الذهاب لتيمور الشرقية وسيراليون، ولكن المجازر والضغوط الأخرى على البوسنة فرضت ضغطاً أخلاقياً بحيث كان عليه فعل شيء حيالها». في عام 1994، دفع الضغط السياسي ذاته لـ «القيام بشيء ما»، وهذه المرة من كتلة النواب السود بالكونغرس، دفعت بيل كلينتون للتدخل في هايتي من خلال «عملية دعم الديمقراطية». ولكن في العام نفسه، لم يعمد بيل كلينتون للتدخل في رواندا، التي ذبح فيها ما لا يقل عن 800 ألف شخص في أعمال عنف عرقية، خلال شهرين وحسب. ويقول كلينتون اليوم إن إخفاقه في إجراء رد فعل يعتبر «الندم» الأكبر خلال رئاسته. لكن لماذا لا يتم التدخل في سوريا؟ يقول الخبراء إن كافة العوامل الثلاثة السابقة التي تحدد عملية التدخل تثني الرئيس الأميركي عن إرسال المزيد من القوات لحلب، ألا وهي قناعات الرئيس، ومضاعفات التدخل، والضغط الشعبي. حرب عادلة منذ العام الأول لرئاسته، وبالتحديد في خطاب قبوله لجائزة نوبل للسلام، أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أنه سيكون شخصاً متردداً في ميله للتدخل، مسترشداً في ذلك بمبدأ «الحرب العادلة»، الذي يأمر بإجراء فعل عندما تكون المقدرة على فعل الخير واضحة. تفيد نظرية «الحرب العادلة» بأنه قد تكون لديك قضية أخلاقية، ولكن إذا لم تتمكن من تحقيق النصر. ويتمثل كل ما تقوم به بالحصول على المزيد من القتلى، فإن ليس بحوزتك أي سبب للتدخل. ومن ذلك المنظور، فإن لدى أوباما سبباً وجيهاً لعدم التورط في حلب وسوريا. لطالما تجنب باراك أوباما التورط في دبلوماسية سوريا، ليترك ما يراه مهمة شبه مستحيلة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري.


الخبر بالتفاصيل والصور


تكثف كل من القوات الروسية والسورية هجومها المدمر على حلب، في أعقاب وقف إطلاق النار الفاشل. فقد سقط، أخيراً، المزيد من مئات القتلى، بينهم 106 أطفال على الأقل، وذلك ضمن صراع أوسع نطاقاً راح ضحيته أكثر من 400 ألف شخص.

ويصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حلب، التي كانت ثاني أكبر مدينة سورية، بأنها الآن «أسوأ من المسالخ»، في حين أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أن التدمير «بربري»، وقد قال إن الأمر يمنعه، أحياناً، من النوم ليلاً. لكنه لا يزال حازماً في رفضه التدخل، قائلاً إن بلاده يمكنها تقديم فائدة ضئيلة في حرب أهلية يبدو أن أطرافها عازمون على «حرق البلاد كلياً».

يتصارع الرئيس أوباما مع المعضلة ذاتها التي واجهت الرؤساء، وذلك على الأقل منذ خروج أميركا من الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى عصية على الهزيمة، ربما كدولة تنقر في الواجب الأخلاقي للتحرك ضد التقييم الواقعي للأمور النافعة التي سيحققها ذلك الإجراء.

وعلى الرغم من الصور المنهالة من حلب يومياً، والتي تدمي القلوب، عمد أوباما لإمالة الميزان الذي يزن الأخلاق والبراغماتية، تجاه الجانب الأخير، وبكل حزم، وذلك كما فعل طوال فترة رئاسته عندما جاء بخيار التدخل العسكري.

وبالمقابل، أعرب توماس هنريكسن، وهو باحث في السياسة الخارجية في معهد هوفر في جامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا، عن اعتقاده بأن: «أوباما لا يتحرك، وبشكل واضح، عن طريق الأبعاد الأخلاقية لهذا الأمر، أو كما لو أنه لا يظهر ذلك»، مضيفاً أنه يتحرك بما يتفق مع مبادئ حكمه، وقد قال منذ البداية إنه لن يشرع في إيجاد حرب في الشرق الأوسط.

وعلى الأرجح، يشعر معظم الأميركيون بأن «قلوبهم تنفطر» على الشعب السوري المحاصر، لكننا لا نرى أن أوباما يسمح للأمور التي تجري في القلب بأن ترجح قناعاته الواقعية حول ما يمكن لبلاده القيام به.

يتأثر الرؤساء بثلاثة عوامل رئيسية في مسألة التفكير بإجراء تدخلات عسكرية، وهي تتمثل، كما يقول الخبراء، في قناعاتهم الخاصة، وضغط الرأي العام، وفرص تحقيق التدخل للنجاح. فبعد فيتنام وحتى حرب العراق، كان الرؤساء مترددين، عادة، في التدخل لأسباب أخلاقية، تعزيزاً للديمقراطية ومنعاً للمجازر، ذلك ما لم تكن هنالك احتمالات جيدة لإجراء حملة دخول وخروج سريعة، وذلك وفقاً للخبراء.

ومنذ حرب الخليج حتى اليوم، على سبيل المثال، أطلق الرئيس جورج دبليو بوش حرب الخليج على أساس انتهاك الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين للقانون الدولي عن طريق غزوه للكويت. ولكن بوش كان يرفض التدخل لوقف التطهير العرقي، اللاحق، في منطقة البلقان، ويشير الباحث توماس هنريكسن إلى نصيحة وزير الخارجية الأميركي وقتها، جيمس بيكر، حيث قال: «لم يكن لدينا كلب في تلك المعركة».

كان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون متردداً أيضاً في التدخل في البلقان، حتى فترة إعادة انتخابه، التي واجه فيها ضغوطاً سياسية لـ «عدم القيام بأي شيء بشأن البوسنة». ويقول هنريكسن: «لم يكن كلينتون يميل للتدخل، فقد تجنب الذهاب لتيمور الشرقية وسيراليون، ولكن المجازر والضغوط الأخرى على البوسنة فرضت ضغطاً أخلاقياً بحيث كان عليه فعل شيء حيالها».

في عام 1994، دفع الضغط السياسي ذاته لـ «القيام بشيء ما»، وهذه المرة من كتلة النواب السود بالكونغرس، دفعت بيل كلينتون للتدخل في هايتي من خلال «عملية دعم الديمقراطية».

ولكن في العام نفسه، لم يعمد بيل كلينتون للتدخل في رواندا، التي ذبح فيها ما لا يقل عن 800 ألف شخص في أعمال عنف عرقية، خلال شهرين وحسب. ويقول كلينتون اليوم إن إخفاقه في إجراء رد فعل يعتبر «الندم» الأكبر خلال رئاسته.

لكن لماذا لا يتم التدخل في سوريا؟ يقول الخبراء إن كافة العوامل الثلاثة السابقة التي تحدد عملية التدخل تثني الرئيس الأميركي عن إرسال المزيد من القوات لحلب، ألا وهي قناعات الرئيس، ومضاعفات التدخل، والضغط الشعبي.

حرب عادلة

منذ العام الأول لرئاسته، وبالتحديد في خطاب قبوله لجائزة نوبل للسلام، أشار الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أنه سيكون شخصاً متردداً في ميله للتدخل، مسترشداً في ذلك بمبدأ «الحرب العادلة»، الذي يأمر بإجراء فعل عندما تكون المقدرة على فعل الخير واضحة. تفيد نظرية «الحرب العادلة» بأنه قد تكون لديك قضية أخلاقية، ولكن إذا لم تتمكن من تحقيق النصر.

ويتمثل كل ما تقوم به بالحصول على المزيد من القتلى، فإن ليس بحوزتك أي سبب للتدخل. ومن ذلك المنظور، فإن لدى أوباما سبباً وجيهاً لعدم التورط في حلب وسوريا. لطالما تجنب باراك أوباما التورط في دبلوماسية سوريا، ليترك ما يراه مهمة شبه مستحيلة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري.

رابط المصدر: دروس على طريق صعب بين حلب ورواندا

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً