المعلن والمضمر في قانون جاستا

من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول، وأشخاص خارج نطاقها

الإقليمي، لاسيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جداً، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية. وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة، تسلك مساراً محدداً، وواضحاً في هذه الشؤون، فإن قواعد القانون الدولي العام، ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها، وبشكل واضح، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهراً من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.واليوم، وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ، بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها، كما تدعي، من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استناداً إلى ما جرى في 11 أيلول/سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤولوها تحت رحمة القوانين الأمريكية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأمريكية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم، ماذا يعني ذلك؟في المبدأ، ثمة تجاوز، بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضاً على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل ،بشكل واضح، وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المسّ بها، بل اعتبر وفقاً للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء غير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون “جستا”، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية. جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عملياً لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، الذي أوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديداً، بمثابة العمود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره، لدرجة انه وُصف بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم في مساراته وسياساته، والمقصود هنا الولايات المتحدة تحديداً، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟ وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديداً المملكة العربية السعودية، فإن آثاره ستمتد على كل الدول التي تعارض واشنطن سياساتها في أي مكان وزمان، لاسيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان، فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة، والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة، ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين، كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار، منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي. كما ستؤثر في الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة ب 750 مليار دولار، منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأمريكية، مقابل استثمارات أمريكية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار، كما سيؤثر القانون في صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأمريكية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون باتخاذ مواقف مماثلة لها، وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغرات القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقاً مع ملاحظات الإدارة الأمريكية.إنه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، إنه ببساطة شديدة، قانون الابتزاز المالي والسياسي، بامتياز.


الخبر بالتفاصيل والصور


من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول، وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي، لاسيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جداً، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.

وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة، تسلك مساراً محدداً، وواضحاً في هذه الشؤون، فإن قواعد القانون الدولي العام، ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها، وبشكل واضح، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهراً من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.

واليوم، وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ، بمشروع قانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها، كما تدعي، من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استناداً إلى ما جرى في 11 أيلول/سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم إقراره بالشكل النهائي، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤولوها تحت رحمة القوانين الأمريكية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأمريكية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم، ماذا يعني ذلك؟

في المبدأ، ثمة تجاوز، بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضاً على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل ،بشكل واضح، وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المسّ بها، بل اعتبر وفقاً للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء غير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون “جستا”، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.
جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عملياً لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، الذي أوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديداً، بمثابة العمود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره، لدرجة انه وُصف بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم في مساراته وسياساته، والمقصود هنا الولايات المتحدة تحديداً، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟
وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديداً المملكة العربية السعودية، فإن آثاره ستمتد على كل الدول التي تعارض واشنطن سياساتها في أي مكان وزمان، لاسيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان، فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة، والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة، ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين، كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار، منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي. كما ستؤثر في الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة ب 750 مليار دولار، منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأمريكية، مقابل استثمارات أمريكية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار، كما سيؤثر القانون في صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة وآخرها صفقة بقيمة 115 مليار دولار. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة. فما العمل؟

إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأمريكية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون باتخاذ مواقف مماثلة لها، وإما التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغرات القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقاً مع ملاحظات الإدارة الأمريكية.

إنه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، إنه ببساطة شديدة، قانون الابتزاز المالي والسياسي، بامتياز.

رابط المصدر: المعلن والمضمر في قانون جاستا

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً