حلب رمز الضعف الأميركي الصارخ

شهد شهر أبريل من عام 1937، قصف مقاتلات ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، سوقاً مكتظاً بالناس في مدينة بإقليم الباسك الإسباني، في سابقة هي الأولى من نوعها، التي يحصل فيها استهداف متعمّد للمدنيين. وجاء رد فعل الرسام الشهير بابلو بيكاسو سريعاً، حين صوّر هول الفاجعة

على جداريته الشهيرة التي حملت اسم »غرنيكا«، وقد أنهاها في يونيو من العام نفسه. ولو كان بيكاسو حياً اليوم، لرغب حتماً في إبداع جدارية أخرى، تحمل هذه المرة اسم »حلب«، وكان سيرفعها خارج مقر البيت الأبيض. ولا تعتبر حلب مجرد مدينة عتيقة جذابة مليئة بالأسواق، بل إنها إحدى أبرز مدن سوريا، أو كانت كذلك، ومركز تجارتها العتيق، ومحطة عالمية تشكل مقراً لعدد من القوافل. وقد سويت اليوم بالأرض، بفعل أعمال القصف المتواصلة، والاستخدام المتكرر للأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، إضافةً إلى اللجوء في الآونة الأخيرة إلى استخدام القنابل المخترقة للتحصينات، التي تدفن الجرحى تحت الأرض. أضف إلى ذلك، أن سيارات الإسعاف وعمال الإغاثة كانوا هدفاً للقنابل، ومدينة حلب، كما غرنيكا، من قبلها، مكان يتعلم منه العالم درساً، يبدو أنه لا يكف عن نسيانه. أوباما مقابل بوتين ويمعن الرئيس الأميركي باراك أوباما، في الإعراب في كل مقابلة وحديث يجريه، عن حزنه على سوريا، لكن ذلك لا يعزي الضحايا، ولا يعوضهم، كما أنه لم يمنع الروس ولا الحكومة السورية من وقف أعمال القصف. أما وزير الخارجية الأميركي جون كيري، فيتصرف كعريس سيئ الحظ، يقدم وروداً ذابلة لاستقطاب واستيعاب تصورات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخيالية. ويقبل بوتين الورود بيد، ويقصف بمزيد من القنابل باليد الأخرى، ويعرف، خلافاً لأوباما، ما يريد تماماً، وهو الفوز. والفشل هنا ليس منوطاً بكيري، بل بأوباما، الذي يملؤه زهو مفرط، لكونه نقيض سلفه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، حيث يعتبر نفسه الرئيس الذي لم يدخل بلاده في أي حروب لا طائل منها، على غرار حرب العراق. إلا أن التداعيات في سوريا كانت كارثية، في ظل مقتل زهاء 500 ألف شخص، ونزوح سبعة ملايين آخرين، وفرار ملايين اليائسين الإضافيين نحو أوروبا، في مدّ أشبه بالتسونامي. وتعيش السياسة الأوروبية من جراء ذلك حالة تخبط، بدءاً بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المتأزمة، وصولاً إلى بريطانيا المنسلخة عن الاتحاد الأوروبي، وعودة المجر وبولندا إلى ماضيهما المخزي. غير أن سياسة القارة العجوز، ليست وحدها ضحية حرب، إذ ينضم إليها المفهوم العالمي القائل بأن أميركا لن تقبل بذبح الأبرياء على هذا المستوى، لكنها فعلت ذلك. محور شر حقيقي وقد زعم أوباما أن التحرك وعدمه سيان في هذا الإطار، حيث أنقذت أرواح الأميركيين، وتم تفادي الدخول في المستنقع السوري. إلا أن عدم القيام بشيء، لا يعني عدم حصول شيء، لأن تلك سياسة قائمة بذاتها، وقد أتاحت في هذه الحالة ولادة محور شر حقيقي، مؤلف من تناغم بين كل من روسيا وإيران مع الرئيس السوري بشار الأسد. وتشبه حلب إلى حدّ بعيد، غرنيكا، من حيث تشكيلها ساحة المذبحة، كما أنها تجسد رمز الضعف الأميركي. فبوتين نفسه الذي يصعد الحرب في سوريا، قد أفشى سر الرسائل البريدية الأميركية، وأقحم نفسه في الانتخابات الأميركية، ولا يزال يحتفظ بالقرم، ويفرض نفسه بالقوة على أوكرانيا، وربما يقرر غداً التوجه إلى البلطيق. وقد حجّم منذ زمن طويل، أوباما، بالإشارة إلى الاكتفاء باستعمال التفكير لا العضلات. لا يمكن للمرء أن ينسى جدارية »غرنيكا« بوجوهها المعذبة وأشلاء الأجساد المهشمة، والتشوهات الشائنة لقتلى الأعمال الوحشية. أما اليوم، فتطالعنا صورة صبي سوري داخل سيارة إسعاف، مضرج بالدماء المغطاة بغبار الأبنية المهدمة وهو يحدق في فراغ عالم يخلو بالنسبة إليه من الكبار. وإننا نشهد مجدداً على حالة تكتيف الأيدي، حيث لا بد أن ما ينتظرنا أسوأ مجدداً. استهانة تجري الاستهانة بالقوة الأميركية في كل أنحاء العالم، فالرئيس الفلبيني نعت أوباما بوصف بالغ السوء، والصين تمضي دون اكتراث قدماً بتعزيز قوتها وحضورها في المحيط الهادئ. وكوريا الشمالية تمعن في تطوير صواريخ نووية بعيدة المدى. فهل ينبع كل ذلك بلي ذراع أميركا في سوريا؟ من يعلم؟ إلا أن التردد الأميركي والامتناع عن التحرك، قد منح الآخرين القوة. لم يكن هناك يوماً من حاجة للتورط الأميركي في وحول الحروب الميدانية، لقد كانت تلك خديعة أوبامية. كان يكفي الذهاب نحو فرض منطقة حظر جوي، تماماً كما فعل بوش في العراق، وكان ذلك إنقاذاً لحياة الملايين.


الخبر بالتفاصيل والصور


شهد شهر أبريل من عام 1937، قصف مقاتلات ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، سوقاً مكتظاً بالناس في مدينة بإقليم الباسك الإسباني، في سابقة هي الأولى من نوعها، التي يحصل فيها استهداف متعمّد للمدنيين.

وجاء رد فعل الرسام الشهير بابلو بيكاسو سريعاً، حين صوّر هول الفاجعة على جداريته الشهيرة التي حملت اسم »غرنيكا«، وقد أنهاها في يونيو من العام نفسه.

ولو كان بيكاسو حياً اليوم، لرغب حتماً في إبداع جدارية أخرى، تحمل هذه المرة اسم »حلب«، وكان سيرفعها خارج مقر البيت الأبيض.

ولا تعتبر حلب مجرد مدينة عتيقة جذابة مليئة بالأسواق، بل إنها إحدى أبرز مدن سوريا، أو كانت كذلك، ومركز تجارتها العتيق، ومحطة عالمية تشكل مقراً لعدد من القوافل.

وقد سويت اليوم بالأرض، بفعل أعمال القصف المتواصلة، والاستخدام المتكرر للأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، إضافةً إلى اللجوء في الآونة الأخيرة إلى استخدام القنابل المخترقة للتحصينات، التي تدفن الجرحى تحت الأرض. أضف إلى ذلك، أن سيارات الإسعاف وعمال الإغاثة كانوا هدفاً للقنابل، ومدينة حلب، كما غرنيكا، من قبلها، مكان يتعلم منه العالم درساً، يبدو أنه لا يكف عن نسيانه.

أوباما مقابل بوتين

ويمعن الرئيس الأميركي باراك أوباما، في الإعراب في كل مقابلة وحديث يجريه، عن حزنه على سوريا، لكن ذلك لا يعزي الضحايا، ولا يعوضهم، كما أنه لم يمنع الروس ولا الحكومة السورية من وقف أعمال القصف.

أما وزير الخارجية الأميركي جون كيري، فيتصرف كعريس سيئ الحظ، يقدم وروداً ذابلة لاستقطاب واستيعاب تصورات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخيالية. ويقبل بوتين الورود بيد، ويقصف بمزيد من القنابل باليد الأخرى، ويعرف، خلافاً لأوباما، ما يريد تماماً، وهو الفوز.

والفشل هنا ليس منوطاً بكيري، بل بأوباما، الذي يملؤه زهو مفرط، لكونه نقيض سلفه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، حيث يعتبر نفسه الرئيس الذي لم يدخل بلاده في أي حروب لا طائل منها، على غرار حرب العراق.

إلا أن التداعيات في سوريا كانت كارثية، في ظل مقتل زهاء 500 ألف شخص، ونزوح سبعة ملايين آخرين، وفرار ملايين اليائسين الإضافيين نحو أوروبا، في مدّ أشبه بالتسونامي.

وتعيش السياسة الأوروبية من جراء ذلك حالة تخبط، بدءاً بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المتأزمة، وصولاً إلى بريطانيا المنسلخة عن الاتحاد الأوروبي، وعودة المجر وبولندا إلى ماضيهما المخزي. غير أن سياسة القارة العجوز، ليست وحدها ضحية حرب، إذ ينضم إليها المفهوم العالمي القائل بأن أميركا لن تقبل بذبح الأبرياء على هذا المستوى، لكنها فعلت ذلك.

محور شر حقيقي

وقد زعم أوباما أن التحرك وعدمه سيان في هذا الإطار، حيث أنقذت أرواح الأميركيين، وتم تفادي الدخول في المستنقع السوري. إلا أن عدم القيام بشيء، لا يعني عدم حصول شيء، لأن تلك سياسة قائمة بذاتها، وقد أتاحت في هذه الحالة ولادة محور شر حقيقي، مؤلف من تناغم بين كل من روسيا وإيران مع الرئيس السوري بشار الأسد.

وتشبه حلب إلى حدّ بعيد، غرنيكا، من حيث تشكيلها ساحة المذبحة، كما أنها تجسد رمز الضعف الأميركي. فبوتين نفسه الذي يصعد الحرب في سوريا، قد أفشى سر الرسائل البريدية الأميركية، وأقحم نفسه في الانتخابات الأميركية، ولا يزال يحتفظ بالقرم، ويفرض نفسه بالقوة على أوكرانيا، وربما يقرر غداً التوجه إلى البلطيق. وقد حجّم منذ زمن طويل، أوباما، بالإشارة إلى الاكتفاء باستعمال التفكير لا العضلات.

لا يمكن للمرء أن ينسى جدارية »غرنيكا« بوجوهها المعذبة وأشلاء الأجساد المهشمة، والتشوهات الشائنة لقتلى الأعمال الوحشية. أما اليوم، فتطالعنا صورة صبي سوري داخل سيارة إسعاف، مضرج بالدماء المغطاة بغبار الأبنية المهدمة وهو يحدق في فراغ عالم يخلو بالنسبة إليه من الكبار. وإننا نشهد مجدداً على حالة تكتيف الأيدي، حيث لا بد أن ما ينتظرنا أسوأ مجدداً.

استهانة

تجري الاستهانة بالقوة الأميركية في كل أنحاء العالم، فالرئيس الفلبيني نعت أوباما بوصف بالغ السوء، والصين تمضي دون اكتراث قدماً بتعزيز قوتها وحضورها في المحيط الهادئ. وكوريا الشمالية تمعن في تطوير صواريخ نووية بعيدة المدى.

فهل ينبع كل ذلك بلي ذراع أميركا في سوريا؟ من يعلم؟ إلا أن التردد الأميركي والامتناع عن التحرك، قد منح الآخرين القوة. لم يكن هناك يوماً من حاجة للتورط الأميركي في وحول الحروب الميدانية، لقد كانت تلك خديعة أوبامية.

كان يكفي الذهاب نحو فرض منطقة حظر جوي، تماماً كما فعل بوش في العراق، وكان ذلك إنقاذاً لحياة الملايين.

رابط المصدر: حلب رمز الضعف الأميركي الصارخ

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً