راشد بن سعيد .. شريك «الاتحاد»

ستة وعشرون عاماً مرت على رحيل أحد مؤسسي وشركاء اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وباني دبي الحديثة، ففي السابع من شهر أكتوبر عام 1990 رحل عن عالمنا المؤسس الكبير الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وبقيت أياديه البيضاء ورؤيته الثاقبة وسيرته العطرة نبراساً لأبناء الوطن يستمدون منه الهمة

والعزم لتعزيز تطور وحضارة الدولة، وخاصة إمارة دبي.المغفور له ،بإذن الله تعالى، الشيخ راشد والده المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل الفلاسي، رحمه الله، الذي حكم دبي من الفترة 1912 وحتى 1958، ووالدته الشيخة حصة بنت المر التي عرفت ب «أم دبي» لما اتصفت به من قوة الشخصية والإرادة والعزيمة القادرة على تنشئة أجيال ذات إرادة واستقلالية.وتلقى الشيخ راشد، رحمه الله، دراسته الأولى في علوم الفقه واللغة العربية التي كانت توفرها الكتاتيب في ذلك الحين، ثم التحق بالتعليم النظامي في مدرسة الأحمدية في ديرة، فتفقه في العلوم الدينية إلى جانب علوم اللغة العربية والتاريخ والحساب والجغرافيا، وكان، رحمه الله ،أصغر تلاميذ هذه المدرسة والتي كانت المدرسة الوحيدة في دبي.كان المغفور له بإذن الله رجلًا ذا عقل راجح وبصيرة نافذة، سخّر وقته وجهده وكل ما لديه لنهضة دبي، حتى صارت لؤلؤة الخليج، وأصبحت درة نفيسة تروى حكايات نهضتها وتطورها في بلاد العالم أجمع، كيف لا وقد أدركت في سنوات قصيرة من عمر الزمان من التطور والنهضة في مجالات الحياة كلها ما لا يستطيع غيرها إدراكه في قرون.هذه هي عظمة القيادة، قيادة المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي حقق التميز وهيَّأ الظروف لتحقيق المزيد منه. كان المغفور له بإذن الله من أهم هذه الوجوه السمحة التي اعتمدت مبدأ البساطة، والاستماع للجميع وإشراك المواطنين في صنع القرار والتنفيذ، وقد صدقت رؤيته بجعل دبي «دانة الدنيا»، حيث إنَّ النعمة المادية التي أغدقها الله على هذه الأرض الطيبة تختبئ بين طيات الصحراء أو تحت سطح الماء، ولكن النعمة المعنوية هي شخصيات هذه الدولة مثل المغفور له بإذن الله الشيخ راشد التي غيرت وجه التاريخ، إنها حقًا نعمتها الروحية الحقيقية.عُرف الشيخ راشد بجدّه واجتهاده، وبعده عن اللهو وحبه للعلم والمعرفة، كما اشتهر منذ صغره بسمو الأخلاق وطيب النفس ولين المعشر، وقد رأى مدرسوه وصحبه في عينيه دومًا لهيبًا من الحماس يكتنف مقلتيه، ويقوده نحو الأمام لتحقيق أحلامه، وقد كان حلمه الأكبر رسم اللون الأخضر على صفحات هذه الصحراء المترامية الأطراف، القاسية، وجلب الحياة السهلة الكريمة لأبنائه وإخوانه المواطنين. وكان يخرج هو وأصدقاؤه من المدرسة إلى الصحراء ليدربوا الطيور ويعدوها لموسم القنص في الشتاء، وواظب منذ الصغر على حضور مجلس والده ونشأ مستمعاً لأمور الحكم واستقبال الضيوف والمترددين على مجالس والده.في عام 1924 عندما بلغ الثانية عشرة من عمره وأصبح ذا شخصية قوية ذات تأثير فعال أضفت على مظهره الهيبة والوقار والتواضع فرض على الآخرين تقديره واحترامه وكان يعرف بالشاب الجاد لما اتسم به من الجدية والصراحة. مرحلة الشباب لما بلغ الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الثامنة عشرة من العمر دأب على حضور اجتماعات والده ومجالسه، وأخذ ينهل من خبرته الطويلة، ويتعلم من سيرته العطرة بين حكام الساحل الخليجي، فقد اشتهر والده بعروبته الأصيلة، وحرصه على القضايا العربية العالقة، وكرهه للاستعمار وحلمه بالوحدة والأمن والاستقرار وخير المنطقة، فأحبه الجميع واحترموه.كان يرافق والده في رحلات الصيد بالصقور، مما وطد العلاقة بينهما وأغنى حواراتهما، وهذا أدى بدوره إلى تعزيز الأثر الكبير الذي تركه الشيخ سعيد في نفس ابنه الشاب، وقد أفادت هذه الرياضة الحاكم القادم وشدت من عزمه، فتعلم الاستيقاظ مبكراً، وركوب المخاطر، والصبر والتحمل، والإحساس بقسوة العيش وحر الصحراء القاحلة. قيام دولة الاتحاد كان لمشاركة الشيخ راشد بن سعيد في مجلس الإمارات المتصالحة دور في التمهيد للاتحاد، فقد كان على قناعة حقيقية بأن مستقبل إمارات الساحل المتصالحة سيكون أفضل إذا توحدت وأمسكت هي بزمام الأمور، وقد عمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، على إقناع حكام الإمارات وقطر من أجل إيجاد كيان وحدوي؛ فكان يعرض خطته على الحكام في اجتماعات ثنائية، وفي عام 1965 وبالتعاون مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد تمكن من أن يدعو إلى اجتماع لحكام الإمارات السبعة إضافة إلى حاكمي قطر والبحرين في قصر الضيافة في دبي.كما عمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، طيَّب الله ثراه، على إصدار وثيقة الوحدة والاتحاد بين دبي وأبوظبي في فبراير عام 1968م وفي العاشر من يوليو 1971م وجه المغفور له بإذن الله الشيخ راشد دعوة من أجل المضي قدماً على طريق الاتحاد، واستمر في الدفع نحو الاتحاد حتى أعلن عنه رسميًا في 2 ديسمبر/كانون الأول 1971م، حيث تولى منصب نائب رئيس الدولة، إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء؛ فعمل بكل جد على مراقبة الوزارات، لتكون في خدمة الشعب.ولما بدأت التحركات للمّ شمل الأخوة تحت مظلة واحدة، كان الشيخ راشد،رحمه الله، من أوائل الذين وضعوا أيديهم بيد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، بكل عزيمة وجهد وتفان، لاستكمال الحلم.وكان يشجع على سياسة التمهل وعدم التسرع والانسياق وراء الأحلام دون وضع الأساسات الصحيحة التي تمكنها من الاستمرار. الأزمات والقيادة المبكرة تجلت براعة الشيخ راشد في إدارة الأزمات في موقفه الثابت إزاء الفوضى التي ظهرت مع انتشار السلب والنهب إبان الحصار الاقتصادي الذي فرضه البريطانيون على إيران التي كانت تساند دول المحور في الحرب، ففرض البريطانيون على دبي حظراً على استيراد وتصدير المواد الغذائية، فما كان من الشيخ راشد إلا أن سعى لتوفير المواد الغذائية لرعاياه بأسعار تتلاءم مع المستوى الاقتصادي من أصحاب البقالات، وأدخل نظام البطاقات التي سمح للمواطن بالحصول على الحصة الشهرية من المواد الغذائية. وكشفت الأيام بعد ذلك عن الكثير من صفات المغفور له بإذن الله الشيخ راشد فظهرت لديه سمات القيادة وحسن تدبير الأمور، والقدرة على تولي زمامها، وقد كان عوناً لأبيه في شتى المجالات، وخصوصًا في الشؤون الاقتصادية، حيث ساهم في تحسين المعيشة، الأمر الذي أكسبه شعبية وحباً من المواطنين، وكان قد تولّى منصب ولي العهد في الإمارة من عام 1928، ومن المأثور عنه قوله: «ماهو مفيد للتجار، مفيد لدبي».تعددت إنجازاته قبل توليه إمارة دبي، وبرز كشخصية قيادية في العائلة قادرة على تسيير أمور المواطنين وتحقيق النهضة الاقتصادية المأمولة، لتسهيل مصاعب الحياة التي كانت تحيط بدبي آنذاك، وخصوصاً في أواخر الثلاثينات لمّا فرضت الإدارة البريطانية قيدًا على استيراد وتصدير المواد الغذائية من المنطقة، مما زاد الحياة الصعبة صعوبة! فاستطاع بحنكته الالتفاف على هذا القرار الجائر بكل دبلوماسية وذكاء، وأثبت للجميع أنه الشخص الذي سيحقق «حلم دبي».وضع الواقع الاقتصادي الصعب أمام عينيه، وساهم بجهد كبير في افتتاح بنك «إمبريال بنك أوف إيران» الذي عرف فيما بعد باسم «البريطاني للشرق الأوسط» في عام 1954م، وقد وضع شرطاً على المستثمرين لتوظيف أبناء إمارته في المشروع الضخم، ومن أبرز الأسماء غانم الغيث – رحمه الله- وقبل ذلك ب 4 أعوام وتحديداً في عام 1950 كان قد افتتح أول مشروع طبي ضخم بتأسيس مستشفى آل مكتوم الذي يعد أول مستشفى حديث في الإمارات، وكان يتسع ل 38 سريراً، وتوسع في عام 1968م ليتسع ل 109 أسرة.وفي عام 1960 ونتيجة لازدياد نسبة المواطنين والوافدين برزت الحاجة لبناء المساكن والشقق السكنية، فقام بإنشاء دائرة الأراضي والأملاك وفي نفس العام أمر الشيخ راشد بإنشاء شركة التليفون والبرق واللاسلكي.وفي عام 1961 أصدر مرسوماً يقضي بإنشاء بلدية دبي، وفي عام 1962 افتتح الشيخ راشد أول جسر يربط ديرة ببر دبي (جسر آل مكتوم) كما قام في 1963 بتأسيس شركة نفط وتأسيس أول بنك وطني (بنك دبي الوطني المحدود) برأسمال مليون جنيه إسترليني. أعظم إنجاز وتوالت الإنجازات في نهاية الستينات وبداية السبعينات مع بدايات الاتحاد الذي كان أعظم إنجاز سعى إليه مع أخيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويشهد لهما التاريخ الحديث بذلك. فسعى إلى إنشاء ميناء راشد والحمرية والميناء الصناعي في جبل علي وجداف دبي.وفي الرابع من أكتوبر عام 1958 تولى الشيخ راشد، رحمه الله، رسمياً مقاليد الحكم في إمارة دبي، وبدأت منذ ذلك الحين مسيرة الإنجازات المتسارعة والمتواترة.ففي عام 1959م تم حفر خور دبي ليكون شريانًا للمدينة، يحمل إليها المزيد من المراكب المحملة بالتجارة العالمية، وفي العام نفسه تم افتتاح شركة كهرباء دبي العامة، وتم إبرام مشروع أعمال مسح جيولوجي بحثاً عن المياه العذبة مع حكومة قطر.وفي 30 سبتمبر/أيلول عام 1960 افتتح مطار دبي، وصار مركزًا إقليمياً للطيران العالمي، وفي السنة ذاتها تم إنشاء دائرة الأراضي والأملاك بإدارة الشيخ مكتوم بن راشد، وشركة الهاتف والبرق اللاسلكي، وتم إنشاء بلدية دبي عام 1961، وفي عام 1962 تم تشييد جسر آل مكتوم، ليربط ديرة ببر دبي، وفي عام 1963 تم تأسيس شركة النفط، ودبي الوطني المحدود برأسمال مليون جنيه إسترليني.وأدرك أهمية المعرفة لتحقيق الحلم، وعمل بكل جهد مخلص لتحسين التعليم في إمارته، فالإنجازات لا قيمة لها إن لم تجد من يحافظ عليها، بل ويطورها، وقد أولى المدرسة الأحمدية اهتماماً خاصاً، وأشرف عليها منذ عام 1954، وقدم الدعم المالي لأبناء دبي الملتحقين بمدارس قطر، وخصص جزءاً من قصره كمدرسة عرفت باسم (السعدية) عام 1958، ثم افتتحت خلال الأعوام التالية مدارس عديدة منها: خولة بنت الأزور الابتدائية، والخنساء، وآل مكتوم للبنين، والشعب المتوسطة. مواقف سياسية وبرزت جهوده الدولية بعد توليه منصب نائب رئيس الدولة ورئاسة مجلس الوزراء، وأسهم في التطوير العمراني والنهضة الشاملة التي شهدتها الإمارات في بداياتها من بناء المرافق العامة والبنى التحتية، وحرص على تقوية العلاقات مع دول الخليج والدول الأخرى وبرزت اهتماماته في مناقشة قضايا أمته وشعبه العربي والإسلامي، وأبرزها قضية احتلال الجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، أبوموسى) والقضية الفلسطينية والحرب العراقية الإيرانية، ودعا إلى إنشاء مجلس يضم دول الخليج العربي.والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد تميز بمواقفه الوطنية من القضايا العربية، ومن أقواله في ذلك: «سنستمر في تقديم المساعدات للفلسطينيين، وذلك لأننا نؤمن بأن قضيتهم عادلة، وهذا من واجبنا».«قررنا وقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وسنقوم بنفس الإجراء ضد أي دولة تتخذ نفس الموقف الأمريكي إزاء قضيتنا العادلة». أيضاً من أقواله «نتابع باهتمام كبير أنباء القتال الذي يخوضه إخوان لنا على الجبهتين المصرية والسورية في سبيل تحرير أرضنا المحتلة وكرامة أمتنا وعزتها، ودولة الإمارات تضع كل طاقاتها وكافة مواردها في خدمة هذه المعركة». مطار دبي في العاشر من سبتمبر من عام 1958 توفي الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي، وتولى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم مقاليد الحكم في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 1958، بعد أن استمر في ولايته للعهد لمدة عشرين عاماً، فأخذ على عاتقه ضرورة توفير الخدمات الأساسية لسكان دبي وأعلن عن رغبته في بناء مطار دبي.وتم الاختيار ما بين جبل علي والقصيص، فوقع الاختيار على القصيص لقربها من دبي الذي افتتحه في الثلاثين من سبتمبر/أيلول 1960، فأدت سياسة السماء المفتوحة إلى جعل دبي مركزاً إقليمياً لحركة الطيران.كما أنشأ شركة كهرباء دبي العامة في عام 1959 وأبرم مع حكومة قطر في 1959 مشروع أعمال المسح الجيولوجي للتنقيب عن المياه وسد احتياج الإمارة من المياه العذبة. محطات * في عام 1932 اقتنى الشيخ راشد أول سيارة له بعد أن كان يركب حصانه «الصقلاوي» التي كانت تربطه بها علاقة حميمة. * في التاسع والعشرين من مارس عام 1939 شهدت دبي احتفالاً بزفاف الشيخ راشد بن سعيد إلى الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان. * كان يجلس دوماً في مجلسه الذي كان يقع في مبنى الجمارك عند مدخل الخور بجوار ميناء دبي البحري، وكان يجلس على سجادة بجانب نافذة تطل على الخور، فيدخل الناس دون إذن، ويأخذون ركنًا في المجلس ويتحدثون إليه بكل راحة واطمئنان وهو يدخن غليونه «مدواخ» الخشبي الصغير، ويضع التبغ في زجاجة أدوية فارغة إلى جانبه، وقد كان للشيخ راشد مكتب فاخر ولكنه كان يقول دوماً: إني لا أميل إلى هذا المكتب، ولا أحب الجلوس فيه، فهو مغلق ولا أفتحه إلا إذا جاء البلاد زوار، إن أمنيتي أن أظل على اتصال وثيق مع أبناء الشعب، وسأستمر بإذن الله في اتباع هذا الأسلوب. أمينة الطاير: حكيم سبق زمانه وقائد أنار عصره قالت الشيخة أمينة بنت حميد الطاير، رئيسة جمعية النهضة النسائية بدبي، في ذكرى وفاة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم: ونحن نستذكر ذكراه، ونستعيد صفحات ما أنجزه وأبدعه وبناه، لا يسعنا إلا أن نترحم على روح الوالد الباني، ومؤسس دبي الحديثة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الحكيم الذي سبق زمانه، والقائد الذي أنار عصره، والفارس الذي تعرفه مدارات الإباء وساحات البذل والعطاء ومسارات الاعتزاز بالانتماء، حيث لم يعرقل خطاه مستحيل، ولم تعصف بإرادته الرياح التي عرفتها المنطقة عندما ركد سوق اللؤلؤ أو عندما قامت الحروب أو عندما شحّت الإمكانيات المادية، وإنما زادته قوة وإصراراً على نيل المطالب بالتضحيات، وتجاوز الصعاب بالرؤى الثاقبات والعزائم الواثبات، وعلى تحويل دبي إلى منارة للإشعاع بالعمل والإبداع منذ أن تولى ولاية العهد في العام 1938، ثم توليه الحكم في العام 1958 على إثر والده الحاكم الصالح المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم. رحم الله الشيخ راشد المؤسس الباني والوالد الحاني وصاحب النظرة البعيدة والحكمة الرشيدة والخطوة السديدة، وأسكنه عليين بجوار الأنبياء والمرسلين والشهداء وعباده الصالحين، وكفى بذلك رفيقاً.


الخبر بالتفاصيل والصور


emaratyah

ستة وعشرون عاماً مرت على رحيل أحد مؤسسي وشركاء اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة، وباني دبي الحديثة، ففي السابع من شهر أكتوبر عام 1990 رحل عن عالمنا المؤسس الكبير الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، وبقيت أياديه البيضاء ورؤيته الثاقبة وسيرته العطرة نبراساً لأبناء الوطن يستمدون منه الهمة والعزم لتعزيز تطور وحضارة الدولة، وخاصة إمارة دبي.
المغفور له ،بإذن الله تعالى، الشيخ راشد والده المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم بن بطي بن سهيل الفلاسي، رحمه الله، الذي حكم دبي من الفترة 1912 وحتى 1958، ووالدته الشيخة حصة بنت المر التي عرفت ب «أم دبي» لما اتصفت به من قوة الشخصية والإرادة والعزيمة القادرة على تنشئة أجيال ذات إرادة واستقلالية.
وتلقى الشيخ راشد، رحمه الله، دراسته الأولى في علوم الفقه واللغة العربية التي كانت توفرها الكتاتيب في ذلك الحين، ثم التحق بالتعليم النظامي في مدرسة الأحمدية في ديرة، فتفقه في العلوم الدينية إلى جانب علوم اللغة العربية والتاريخ والحساب والجغرافيا، وكان، رحمه الله ،أصغر تلاميذ هذه المدرسة والتي كانت المدرسة الوحيدة في دبي.
كان المغفور له بإذن الله رجلًا ذا عقل راجح وبصيرة نافذة، سخّر وقته وجهده وكل ما لديه لنهضة دبي، حتى صارت لؤلؤة الخليج، وأصبحت درة نفيسة تروى حكايات نهضتها وتطورها في بلاد العالم أجمع، كيف لا وقد أدركت في سنوات قصيرة من عمر الزمان من التطور والنهضة في مجالات الحياة كلها ما لا يستطيع غيرها إدراكه في قرون.
هذه هي عظمة القيادة، قيادة المغفور له بإذن الله الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي حقق التميز وهيَّأ الظروف لتحقيق المزيد منه.
كان المغفور له بإذن الله من أهم هذه الوجوه السمحة التي اعتمدت مبدأ البساطة، والاستماع للجميع وإشراك المواطنين في صنع القرار والتنفيذ، وقد صدقت رؤيته بجعل دبي «دانة الدنيا»، حيث إنَّ النعمة المادية التي أغدقها الله على هذه الأرض الطيبة تختبئ بين طيات الصحراء أو تحت سطح الماء، ولكن النعمة المعنوية هي شخصيات هذه الدولة مثل المغفور له بإذن الله الشيخ راشد التي غيرت وجه التاريخ، إنها حقًا نعمتها الروحية الحقيقية.
عُرف الشيخ راشد بجدّه واجتهاده، وبعده عن اللهو وحبه للعلم والمعرفة، كما اشتهر منذ صغره بسمو الأخلاق وطيب النفس ولين المعشر، وقد رأى مدرسوه وصحبه في عينيه دومًا لهيبًا من الحماس يكتنف مقلتيه، ويقوده نحو الأمام لتحقيق أحلامه، وقد كان حلمه الأكبر رسم اللون الأخضر على صفحات هذه الصحراء المترامية الأطراف، القاسية، وجلب الحياة السهلة الكريمة لأبنائه وإخوانه المواطنين. وكان يخرج هو وأصدقاؤه من المدرسة إلى الصحراء ليدربوا الطيور ويعدوها لموسم القنص في الشتاء، وواظب منذ الصغر على حضور مجلس والده ونشأ مستمعاً لأمور الحكم واستقبال الضيوف والمترددين على مجالس والده.
في عام 1924 عندما بلغ الثانية عشرة من عمره وأصبح ذا شخصية قوية ذات تأثير فعال أضفت على مظهره الهيبة والوقار والتواضع فرض على الآخرين تقديره واحترامه وكان يعرف بالشاب الجاد لما اتسم به من الجدية والصراحة.

مرحلة الشباب

لما بلغ الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الثامنة عشرة من العمر دأب على حضور اجتماعات والده ومجالسه، وأخذ ينهل من خبرته الطويلة، ويتعلم من سيرته العطرة بين حكام الساحل الخليجي، فقد اشتهر والده بعروبته الأصيلة، وحرصه على القضايا العربية العالقة، وكرهه للاستعمار وحلمه بالوحدة والأمن والاستقرار وخير المنطقة، فأحبه الجميع واحترموه.
كان يرافق والده في رحلات الصيد بالصقور، مما وطد العلاقة بينهما وأغنى حواراتهما، وهذا أدى بدوره إلى تعزيز الأثر الكبير الذي تركه الشيخ سعيد في نفس ابنه الشاب، وقد أفادت هذه الرياضة الحاكم القادم وشدت من عزمه، فتعلم الاستيقاظ مبكراً، وركوب المخاطر، والصبر والتحمل، والإحساس بقسوة العيش وحر الصحراء القاحلة.

قيام دولة الاتحاد

كان لمشاركة الشيخ راشد بن سعيد في مجلس الإمارات المتصالحة دور في التمهيد للاتحاد، فقد كان على قناعة حقيقية بأن مستقبل إمارات الساحل المتصالحة سيكون أفضل إذا توحدت وأمسكت هي بزمام الأمور، وقد عمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، على إقناع حكام الإمارات وقطر من أجل إيجاد كيان وحدوي؛ فكان يعرض خطته على الحكام في اجتماعات ثنائية، وفي عام 1965 وبالتعاون مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد تمكن من أن يدعو إلى اجتماع لحكام الإمارات السبعة إضافة إلى حاكمي قطر والبحرين في قصر الضيافة في دبي.
كما عمل مع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، طيَّب الله ثراه، على إصدار وثيقة الوحدة والاتحاد بين دبي وأبوظبي في فبراير عام 1968م وفي العاشر من يوليو 1971م وجه المغفور له بإذن الله الشيخ راشد دعوة من أجل المضي قدماً على طريق الاتحاد، واستمر في الدفع نحو الاتحاد حتى أعلن عنه رسميًا في 2 ديسمبر/كانون الأول 1971م، حيث تولى منصب نائب رئيس الدولة، إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء؛ فعمل بكل جد على مراقبة الوزارات، لتكون في خدمة الشعب.
ولما بدأت التحركات للمّ شمل الأخوة تحت مظلة واحدة، كان الشيخ راشد،رحمه الله، من أوائل الذين وضعوا أيديهم بيد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد، بكل عزيمة وجهد وتفان، لاستكمال الحلم.
وكان يشجع على سياسة التمهل وعدم التسرع والانسياق وراء الأحلام دون وضع الأساسات الصحيحة التي تمكنها من الاستمرار.

الأزمات والقيادة المبكرة

تجلت براعة الشيخ راشد في إدارة الأزمات في موقفه الثابت إزاء الفوضى التي ظهرت مع انتشار السلب والنهب إبان الحصار الاقتصادي الذي فرضه البريطانيون على إيران التي كانت تساند دول المحور في الحرب، ففرض البريطانيون على دبي حظراً على استيراد وتصدير المواد الغذائية، فما كان من الشيخ راشد إلا أن سعى لتوفير المواد الغذائية لرعاياه بأسعار تتلاءم مع المستوى الاقتصادي من أصحاب البقالات، وأدخل نظام البطاقات التي سمح للمواطن بالحصول على الحصة الشهرية من المواد الغذائية. وكشفت الأيام بعد ذلك عن الكثير من صفات المغفور له بإذن الله الشيخ راشد فظهرت لديه سمات القيادة وحسن تدبير الأمور، والقدرة على تولي زمامها، وقد كان عوناً لأبيه في شتى المجالات، وخصوصًا في الشؤون الاقتصادية، حيث ساهم في تحسين المعيشة، الأمر الذي أكسبه شعبية وحباً من المواطنين، وكان قد تولّى منصب ولي العهد في الإمارة من عام 1928، ومن المأثور عنه قوله: «ماهو مفيد للتجار، مفيد لدبي».
تعددت إنجازاته قبل توليه إمارة دبي، وبرز كشخصية قيادية في العائلة قادرة على تسيير أمور المواطنين وتحقيق النهضة الاقتصادية المأمولة، لتسهيل مصاعب الحياة التي كانت تحيط بدبي آنذاك، وخصوصاً في أواخر الثلاثينات لمّا فرضت الإدارة البريطانية قيدًا على استيراد وتصدير المواد الغذائية من المنطقة، مما زاد الحياة الصعبة صعوبة! فاستطاع بحنكته الالتفاف على هذا القرار الجائر بكل دبلوماسية وذكاء، وأثبت للجميع أنه الشخص الذي سيحقق «حلم دبي».
وضع الواقع الاقتصادي الصعب أمام عينيه، وساهم بجهد كبير في افتتاح بنك «إمبريال بنك أوف إيران» الذي عرف فيما بعد باسم «البريطاني للشرق الأوسط» في عام 1954م، وقد وضع شرطاً على المستثمرين لتوظيف أبناء إمارته في المشروع الضخم، ومن أبرز الأسماء غانم الغيث – رحمه الله- وقبل ذلك ب 4 أعوام وتحديداً في عام 1950 كان قد افتتح أول مشروع طبي ضخم بتأسيس مستشفى آل مكتوم الذي يعد أول مستشفى حديث في الإمارات، وكان يتسع ل 38 سريراً، وتوسع في عام 1968م ليتسع ل 109 أسرة.
وفي عام 1960 ونتيجة لازدياد نسبة المواطنين والوافدين برزت الحاجة لبناء المساكن والشقق السكنية، فقام بإنشاء دائرة الأراضي والأملاك وفي نفس العام أمر الشيخ راشد بإنشاء شركة التليفون والبرق واللاسلكي.
وفي عام 1961 أصدر مرسوماً يقضي بإنشاء بلدية دبي، وفي عام 1962 افتتح الشيخ راشد أول جسر يربط ديرة ببر دبي (جسر آل مكتوم) كما قام في 1963 بتأسيس شركة نفط وتأسيس أول بنك وطني (بنك دبي الوطني المحدود) برأسمال مليون جنيه إسترليني.

أعظم إنجاز

وتوالت الإنجازات في نهاية الستينات وبداية السبعينات مع بدايات الاتحاد الذي كان أعظم إنجاز سعى إليه مع أخيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ويشهد لهما التاريخ الحديث بذلك. فسعى إلى إنشاء ميناء راشد والحمرية والميناء الصناعي في جبل علي وجداف دبي.
وفي الرابع من أكتوبر عام 1958 تولى الشيخ راشد، رحمه الله، رسمياً مقاليد الحكم في إمارة دبي، وبدأت منذ ذلك الحين مسيرة الإنجازات المتسارعة والمتواترة.
ففي عام 1959م تم حفر خور دبي ليكون شريانًا للمدينة، يحمل إليها المزيد من المراكب المحملة بالتجارة العالمية، وفي العام نفسه تم افتتاح شركة كهرباء دبي العامة، وتم إبرام مشروع أعمال مسح جيولوجي بحثاً عن المياه العذبة مع حكومة قطر.
وفي 30 سبتمبر/أيلول عام 1960 افتتح مطار دبي، وصار مركزًا إقليمياً للطيران العالمي، وفي السنة ذاتها تم إنشاء دائرة الأراضي والأملاك بإدارة الشيخ مكتوم بن راشد، وشركة الهاتف والبرق اللاسلكي، وتم إنشاء بلدية دبي عام 1961، وفي عام 1962 تم تشييد جسر آل مكتوم، ليربط ديرة ببر دبي، وفي عام 1963 تم تأسيس شركة النفط، ودبي الوطني المحدود برأسمال مليون جنيه إسترليني.
وأدرك أهمية المعرفة لتحقيق الحلم، وعمل بكل جهد مخلص لتحسين التعليم في إمارته، فالإنجازات لا قيمة لها إن لم تجد من يحافظ عليها، بل ويطورها، وقد أولى المدرسة الأحمدية اهتماماً خاصاً، وأشرف عليها منذ عام 1954، وقدم الدعم المالي لأبناء دبي الملتحقين بمدارس قطر، وخصص جزءاً من قصره كمدرسة عرفت باسم (السعدية) عام 1958، ثم افتتحت خلال الأعوام التالية مدارس عديدة منها: خولة بنت الأزور الابتدائية، والخنساء، وآل مكتوم للبنين، والشعب المتوسطة.

مواقف سياسية

وبرزت جهوده الدولية بعد توليه منصب نائب رئيس الدولة ورئاسة مجلس الوزراء، وأسهم في التطوير العمراني والنهضة الشاملة التي شهدتها الإمارات في بداياتها من بناء المرافق العامة والبنى التحتية، وحرص على تقوية العلاقات مع دول الخليج والدول الأخرى وبرزت اهتماماته في مناقشة قضايا أمته وشعبه العربي والإسلامي، وأبرزها قضية احتلال الجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، أبوموسى) والقضية الفلسطينية والحرب العراقية الإيرانية، ودعا إلى إنشاء مجلس يضم دول الخليج العربي.
والمغفور له بإذن الله الشيخ راشد تميز بمواقفه الوطنية من القضايا العربية، ومن أقواله في ذلك: «سنستمر في تقديم المساعدات للفلسطينيين، وذلك لأننا نؤمن بأن قضيتهم عادلة، وهذا من واجبنا».
«قررنا وقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وسنقوم بنفس الإجراء ضد أي دولة تتخذ نفس الموقف الأمريكي إزاء قضيتنا العادلة».
أيضاً من أقواله «نتابع باهتمام كبير أنباء القتال الذي يخوضه إخوان لنا على الجبهتين المصرية والسورية في سبيل تحرير أرضنا المحتلة وكرامة أمتنا وعزتها، ودولة الإمارات تضع كل طاقاتها وكافة مواردها في خدمة هذه المعركة».

مطار دبي

في العاشر من سبتمبر من عام 1958 توفي الشيخ سعيد بن مكتوم حاكم دبي، وتولى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم مقاليد الحكم في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 1958، بعد أن استمر في ولايته للعهد لمدة عشرين عاماً، فأخذ على عاتقه ضرورة توفير الخدمات الأساسية لسكان دبي وأعلن عن رغبته في بناء مطار دبي.
وتم الاختيار ما بين جبل علي والقصيص، فوقع الاختيار على القصيص لقربها من دبي الذي افتتحه في الثلاثين من سبتمبر/أيلول 1960، فأدت سياسة السماء المفتوحة إلى جعل دبي مركزاً إقليمياً لحركة الطيران.
كما أنشأ شركة كهرباء دبي العامة في عام 1959 وأبرم مع حكومة قطر في 1959 مشروع أعمال المسح الجيولوجي للتنقيب عن المياه وسد احتياج الإمارة من المياه العذبة.

محطات

* في عام 1932 اقتنى الشيخ راشد أول سيارة له بعد أن كان يركب حصانه «الصقلاوي» التي كانت تربطه بها علاقة حميمة.

* في التاسع والعشرين من مارس عام 1939 شهدت دبي احتفالاً بزفاف الشيخ راشد بن سعيد إلى الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان.

* كان يجلس دوماً في مجلسه الذي كان يقع في مبنى الجمارك عند مدخل الخور بجوار ميناء دبي البحري، وكان يجلس على سجادة بجانب نافذة تطل على الخور، فيدخل الناس دون إذن، ويأخذون ركنًا في المجلس ويتحدثون إليه بكل راحة واطمئنان وهو يدخن غليونه «مدواخ» الخشبي الصغير، ويضع التبغ في زجاجة أدوية فارغة إلى جانبه، وقد كان للشيخ راشد مكتب فاخر ولكنه كان يقول دوماً: إني لا أميل إلى هذا المكتب، ولا أحب الجلوس فيه، فهو مغلق ولا أفتحه إلا إذا جاء البلاد زوار، إن أمنيتي أن أظل على اتصال وثيق مع أبناء الشعب، وسأستمر بإذن الله في اتباع هذا الأسلوب.

أمينة الطاير: حكيم سبق زمانه وقائد أنار عصره

قالت الشيخة أمينة بنت حميد الطاير، رئيسة جمعية النهضة النسائية بدبي، في ذكرى وفاة المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم: ونحن نستذكر ذكراه، ونستعيد صفحات ما أنجزه وأبدعه وبناه، لا يسعنا إلا أن نترحم على روح الوالد الباني، ومؤسس دبي الحديثة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الحكيم الذي سبق زمانه، والقائد الذي أنار عصره، والفارس الذي تعرفه مدارات الإباء وساحات البذل والعطاء ومسارات الاعتزاز بالانتماء، حيث لم يعرقل خطاه مستحيل، ولم تعصف بإرادته الرياح التي عرفتها المنطقة عندما ركد سوق اللؤلؤ أو عندما قامت الحروب أو عندما شحّت الإمكانيات المادية، وإنما زادته قوة وإصراراً على نيل المطالب بالتضحيات، وتجاوز الصعاب بالرؤى الثاقبات والعزائم الواثبات، وعلى تحويل دبي إلى منارة للإشعاع بالعمل والإبداع منذ أن تولى ولاية العهد في العام 1938، ثم توليه الحكم في العام 1958 على إثر والده الحاكم الصالح المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم.
رحم الله الشيخ راشد المؤسس الباني والوالد الحاني وصاحب النظرة البعيدة والحكمة الرشيدة والخطوة السديدة، وأسكنه عليين بجوار الأنبياء والمرسلين والشهداء وعباده الصالحين، وكفى بذلك رفيقاً.

رابط المصدر: راشد بن سعيد .. شريك «الاتحاد»

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً