دروس صعبة تمتد بين ساراييفو وحلب

حلب شكلت رمز الإخفاق واللامبالاة في الحرب السورية كانت مدينتا ساراييفو وحلب في ما مضى، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وضمتا في أرجائهما سكاناً من المسلمين والمسيحيين واليهود. المدينتان الغنيتان بالثقافة حوصرتا وقسمتا إلى شطرين ودمرهما العنف، وهاتان المدينتان اللتان ضحاياهما من الأطفال، تفصل بين

مأساتيهما فترة 20 عاماً. يا للفارق الذي يحدثه عقدان من الزمن!، كانت ساراييفو قد احتلت عناوين الصحف خلال معظم فترة تطويقها التي دامت 44 شهراً. وقد قامت طائرات حلف شمالي الأطلسي «ناتو» بدوريات في أجوائها للحيلولة دون عمليات القصف الجوي للسكان على الأقل. وتم نشر قوات الأمم المتحدة بقبعاتها الزرقاء، ضمن جهود إغاثة كانت تشوبها العيوب. ثم أذن الرئيس الأميركي بيل كلينتون بعد فترة طويلة من التردد، بضربات جوية من جانب حلف «ناتو»، أسفرت عن رفع الحصار الصربي، والتوصل إلى سلام مهزوز في البوسنة. وقد نجح التدخل الأميركي المتأخر. فارق زمني وتفتقر حلب في الشمال السوري التي تعد بمثابة العاصمة الثانية بعد دمشق إلى مثل هذا الإلحاح. يجري قصفها: فهل هناك من جديد؟ كم مرة يتلفظ أوباما بكلمة «حلب». وفي أي من حفلات العشاء في لندن وباريس وبرلين أو واشنطن تجري مناقشتها؟، أي من الصحافيين الغربيين قادر على الوجود هناك لتسجيل غضبه يوماً بعد آخر على تقطيع أوصال المدينة؟، من يذكر أنه منذ ست سنوات فقط، كان يجري الحديث عن حلب في أوروبا، بأنها مراكش الجديدة، مكان لشراء منزل للعطلات؟ وأنا أدرك عند النظر إلى صورة طفل مثل عمران دقنيش، المدمى بعد انتشاله من تحت أنقاض حلب، أن هذه الصورة قد تنتشر كالفيروس لفترة من الوقت، كافية لرثاء الكارثة السورية. نرثي حالها ثم ننسى، إذ إن دونالد ترامب يشغل تفكيرنا، فلننسَ أكثر من 400 ألف قتيل وأكثر من 4.8 ملايين لاجئ، وتدمير مدينة مثل حلب، التي تشكل تعبيراً عن آلاف السنين من الحضارة. دقنيش الذي قتل أخوه، هو الآن كردي هذا العام، ذلك الطفل السوري الميت الذي جرفته الأمواج على الشاطئ التركي، فأشعلت صورته موجة من الغضب سريع الزوال. اليوم، كما الأمس، حلب منقسمة بين قطاع شرقي محاصر، تسيطر عليه جماعات المعارضة، وقطاع غربي أكبر حجماً يسيطر عليه نظام الأسد. اتفاق «وقف الأعمال العدائية» في فبراير الماضي، انهار كما كان متوقعاً، وروسيا التي انتقلت إلى سوريا العام الماضي، عندما أدركت أن أوباما لن يشارك في الحرب، تقود الولايات المتحدة في رقصة دبلوماسية غير متناغمة لا تحقق شيئاً. متغيرات على الطريق وقد فقدت القوة الأميركية مصداقيتها في العقدين الماضيين. ومن أوكرانيا إلى سوريا، تملي روسيا الأحداث مع حصانة. التفاؤل ربما الساذج بشأن عالم يحده الكمال، والذي أدى إلى تأييد كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2005 لبند «مسؤولية الحماية»، قد انتهى زمانه. يبدو بند «مسؤولية الحماية» غريباً، وعبارة عن جهد ضائع من عالم ماضي. وقد حد «داعش» والإرهاب من دور الصحافيين الغربيين، وتقلصت فترة الانتباه لدى القراء، مع تسارع إمكانية الاتصال. وهذه بعض من المتغيرات على الطريق من ساراييفو إلى حلب، والتي ولدت عالماً متشائماً أكثر خطورة. قال أوباما إن التدخل الليبي كان أسوأ خطأ ارتكبه. وقال في عام 2013، إنه «فخور جداً بهذه اللحظة»، عندما قرر مقاومة «الضغوطات المباشرة» وعدم التمسك بالقوة العسكرية لـ «خطوطه الحمراء» التي وضعها ضد استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا. لكن لا، كانت سوريا أسوأ خطأ ارتكبه أوباما، كارثة لا يمكنها أن تستحضر أي إحساس بالفخر، وفي إطار هذا الخطأ الإجمالي الذي ارتكبه أوباما، كان أسوأ خطأ، ارتعاشة «الخطوط الحمراء» في اللحظة الأخيرة التي قوضت مصداقية أميركا، وشجعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومكنت الرئيس السوري بشار الأسد. وفي الواقع، لم يقل أوباما في «روز غاردن» منذ ثلاث سنوات، إنه يرفض استخدام القوة، بل حض الكونغرس لتأييد استخدامها. مع الوقت، غشيت هذه الأحداث البصر، وجعلته «فخوراً جداً بتلك اللحظة». ولا توجد نتيجة في سوريا أسوأ من النتيجة الحالية. حلب رمز الإخفاق وعدم المبالاة، ورمز التراجع الأميركي، وكان ينبغي ألا تترك لتنزف. خطوط حمراء كان ينبغي إخراج طائرات الرئيس السوري بشار الأسد التي ترمي القنابل، كما مدرجاته، في وقت مبكر من الحرب، حتى قبل تنظيم «داعش»، وكان ينبغي للخطوط الحمراء أن تبقى قائمة. كانت العواقب ساحقة على الحلفاء الأوروبيين، جراء سياسة أوباما بترك سوريا تتقيح. ثم انظروا إلى الفيديو المثير للصدمة على القناة الرابعة في بريطانيا، حول بائع الزهور في حلب، هذا الرجل الشجاع الذي أبقى متجر الزهور الأخير في المدينة مفتوحاً، وأفهم أن أشخاصاً يائسين ما زالوا يجملون الشوارع بالزهور، لتأكيد غلبة الحياة على الموت. بائع الزهور مات، وألم نجله الرهيب، هو ألم مدينة بكاملها.


الخبر بالتفاصيل والصور


كانت مدينتا ساراييفو وحلب في ما مضى، جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، وضمتا في أرجائهما سكاناً من المسلمين والمسيحيين واليهود. المدينتان الغنيتان بالثقافة حوصرتا وقسمتا إلى شطرين ودمرهما العنف، وهاتان المدينتان اللتان ضحاياهما من الأطفال، تفصل بين مأساتيهما فترة 20 عاماً.

يا للفارق الذي يحدثه عقدان من الزمن!، كانت ساراييفو قد احتلت عناوين الصحف خلال معظم فترة تطويقها التي دامت 44 شهراً. وقد قامت طائرات حلف شمالي الأطلسي «ناتو» بدوريات في أجوائها للحيلولة دون عمليات القصف الجوي للسكان على الأقل. وتم نشر قوات الأمم المتحدة بقبعاتها الزرقاء، ضمن جهود إغاثة كانت تشوبها العيوب.

ثم أذن الرئيس الأميركي بيل كلينتون بعد فترة طويلة من التردد، بضربات جوية من جانب حلف «ناتو»، أسفرت عن رفع الحصار الصربي، والتوصل إلى سلام مهزوز في البوسنة. وقد نجح التدخل الأميركي المتأخر.

فارق زمني

وتفتقر حلب في الشمال السوري التي تعد بمثابة العاصمة الثانية بعد دمشق إلى مثل هذا الإلحاح. يجري قصفها: فهل هناك من جديد؟ كم مرة يتلفظ أوباما بكلمة «حلب».

وفي أي من حفلات العشاء في لندن وباريس وبرلين أو واشنطن تجري مناقشتها؟، أي من الصحافيين الغربيين قادر على الوجود هناك لتسجيل غضبه يوماً بعد آخر على تقطيع أوصال المدينة؟، من يذكر أنه منذ ست سنوات فقط، كان يجري الحديث عن حلب في أوروبا، بأنها مراكش الجديدة، مكان لشراء منزل للعطلات؟

وأنا أدرك عند النظر إلى صورة طفل مثل عمران دقنيش، المدمى بعد انتشاله من تحت أنقاض حلب، أن هذه الصورة قد تنتشر كالفيروس لفترة من الوقت، كافية لرثاء الكارثة السورية.

نرثي حالها ثم ننسى، إذ إن دونالد ترامب يشغل تفكيرنا، فلننسَ أكثر من 400 ألف قتيل وأكثر من 4.8 ملايين لاجئ، وتدمير مدينة مثل حلب، التي تشكل تعبيراً عن آلاف السنين من الحضارة. دقنيش الذي قتل أخوه، هو الآن كردي هذا العام، ذلك الطفل السوري الميت الذي جرفته الأمواج على الشاطئ التركي، فأشعلت صورته موجة من الغضب سريع الزوال.

اليوم، كما الأمس، حلب منقسمة بين قطاع شرقي محاصر، تسيطر عليه جماعات المعارضة، وقطاع غربي أكبر حجماً يسيطر عليه نظام الأسد. اتفاق «وقف الأعمال العدائية» في فبراير الماضي، انهار كما كان متوقعاً، وروسيا التي انتقلت إلى سوريا العام الماضي، عندما أدركت أن أوباما لن يشارك في الحرب، تقود الولايات المتحدة في رقصة دبلوماسية غير متناغمة لا تحقق شيئاً.

متغيرات على الطريق

وقد فقدت القوة الأميركية مصداقيتها في العقدين الماضيين. ومن أوكرانيا إلى سوريا، تملي روسيا الأحداث مع حصانة. التفاؤل ربما الساذج بشأن عالم يحده الكمال، والذي أدى إلى تأييد كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة في عام 2005 لبند «مسؤولية الحماية»، قد انتهى زمانه.

يبدو بند «مسؤولية الحماية» غريباً، وعبارة عن جهد ضائع من عالم ماضي. وقد حد «داعش» والإرهاب من دور الصحافيين الغربيين، وتقلصت فترة الانتباه لدى القراء، مع تسارع إمكانية الاتصال.

وهذه بعض من المتغيرات على الطريق من ساراييفو إلى حلب، والتي ولدت عالماً متشائماً أكثر خطورة.

قال أوباما إن التدخل الليبي كان أسوأ خطأ ارتكبه. وقال في عام 2013، إنه «فخور جداً بهذه اللحظة»، عندما قرر مقاومة «الضغوطات المباشرة» وعدم التمسك بالقوة العسكرية لـ «خطوطه الحمراء» التي وضعها ضد استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا.

لكن لا، كانت سوريا أسوأ خطأ ارتكبه أوباما، كارثة لا يمكنها أن تستحضر أي إحساس بالفخر، وفي إطار هذا الخطأ الإجمالي الذي ارتكبه أوباما، كان أسوأ خطأ، ارتعاشة «الخطوط الحمراء» في اللحظة الأخيرة التي قوضت مصداقية أميركا، وشجعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومكنت الرئيس السوري بشار الأسد.

وفي الواقع، لم يقل أوباما في «روز غاردن» منذ ثلاث سنوات، إنه يرفض استخدام القوة، بل حض الكونغرس لتأييد استخدامها. مع الوقت، غشيت هذه الأحداث البصر، وجعلته «فخوراً جداً بتلك اللحظة». ولا توجد نتيجة في سوريا أسوأ من النتيجة الحالية. حلب رمز الإخفاق وعدم المبالاة، ورمز التراجع الأميركي، وكان ينبغي ألا تترك لتنزف.

خطوط حمراء

كان ينبغي إخراج طائرات الرئيس السوري بشار الأسد التي ترمي القنابل، كما مدرجاته، في وقت مبكر من الحرب، حتى قبل تنظيم «داعش»، وكان ينبغي للخطوط الحمراء أن تبقى قائمة. كانت العواقب ساحقة على الحلفاء الأوروبيين، جراء سياسة أوباما بترك سوريا تتقيح.

ثم انظروا إلى الفيديو المثير للصدمة على القناة الرابعة في بريطانيا، حول بائع الزهور في حلب، هذا الرجل الشجاع الذي أبقى متجر الزهور الأخير في المدينة مفتوحاً، وأفهم أن أشخاصاً يائسين ما زالوا يجملون الشوارع بالزهور، لتأكيد غلبة الحياة على الموت. بائع الزهور مات، وألم نجله الرهيب، هو ألم مدينة بكاملها.

رابط المصدر: دروس صعبة تمتد بين ساراييفو وحلب

أضف تعليق أو رد من خلال حسابك الفيسبوك

أضف تعليقاً