التحرك التركي أبرز التغييرات في تحالفات المنطقة

شكل التحرك التركي في شمالي سوريا، نقطة تحول في الصراع السوري. المستهدف هو تنظيم «داعش»، لكن الأكراد هم من يتكبدون أكبر الخسائر، فيما تعيد القوى الكبرى النظر في تحالفاتها في المنطقة. وينطوي توصيف شائع لنظرية الفوضى على أن رفرفة فراشة قد تسبب إعصاراً يدعى «تأثير الفراشة»، ويمكن أن تكون هذه النظرية أفضل أداة لوصف الوضع المعقد في سوريا. أما رفرفة الفراشة، في هذه الحالة، فكان القرار الذي اتخذه النظام السوري في أواخر يوليو الماضي بتجنيد ميليشيات قبلية جديدة في محافظة نائية شمالي شرق البلاد. أما الإعصار الذي أثاره هذا الموضوع بعد أربعة أسابيع، فكان دخول شمال سوريا من قبل الجيش التركي، والطرد المفاجئ لـ«داعش» من مدينة جرابلس الحدودية. ويشكل التحرك التركي نقطة تحول في الحرب السورية، إذ إنها المرة الأولى التي تتورط فيها تركيا مباشرة في الصراع، بينما تخضع في الوقت نفسه العديد من التحالفات المعقدة في المنطقة لتحولات مفاجئة. نتاج الاستعداد لهجوم الجيش التركي شمل إحضار قوات من المعارضة السورية بالحافلات والبيك آب، معظمهم من وحدات صغيرة مدعومة من البنتاغون، مثل شعبة حمزة ولواء السلطان مراد والجبهة الشامية، فيما الجماعات المتشددة مثل جبهة النصرة سابقاً لم تكن جزءاً من العملية. وما إن اتخذت الدبابات التركية مواقعها غرب جرابلس، حتى بدأت بإطلاق النار على وحدات «داعش»، غير أنها أطلقت النار أيضاً على القوات التي كانت تسعى بالمثل إلى تحرير جرابلس من «داعش»: ميلشيا قوات سوريا الديمقراطية الخاضعة للسيطرة الكردية. سوريا حسب الطلب هذه الأحداث متوافقة مع النمط الذي يبدو أنه يحكم تدخل معظم القوى الفاعلة في الساحة السورية. كل طرف يخوض حربه الخاصة: سوريا حسب الطلب. الأتراك مهتمون بمحاربة الأكراد، والأميركيون مهتمون بإلحاق الهزيمة بـ«داعش»، والأكراد يسعون لإقامة دولتهم، والروس عازمون على إظهار أنهم قوة عالمية مرة أخرى للعالم. وتعتبر شراكة الجيش التركي الجديدة مع قوات المعارضة السورية في الغزو الشراكة الأخيرة في التحالفات المتغيرة بسرعة، وفقاً لما يلائم كل طرف، والتي يستخدمها الجميع لتحقيق مصالحه، وهذه مجتمعة حولت الحرب الرهيبة إلى ساحة معركة لا يمكن التنبؤ بها. على مدى سنوات، كان في الحسكة تحالف متوتر يلائم الطرفين، بين القوات الموالية للأسد والأكراد الذين هم على علاقة وثيقة مع حزب العمال الكردستاني. ثم شرع جيش الأسد، لأنه كان يفتقر إلى القوات، بتجنيد ميليشيا جديدة من قبائل السنة في الحسكة كجزء من «قوات الدفاع الوطني»، مقاتلون تورطوا في عمليات صدام مع الأكراد المحليين، فتصاعد الموقف مع تبادل الجانبين إطلاق النار، وقام الأكراد باقتحام عاصمة الإقليم. ثم في 18 أغسطس الماضي، قصف سلاح الجو السوري مواقع الأكراد في المنطقة للمرة الأولى منذ خمس سنوات. الضربات لم تترك تأثيراً كبيراً في مجرى القتال، لكنها غيرت تماماً ميزان القوى. وقد سهل هجوم الأسد على الأكراد التقارب بين الحكومتين التركية والروسية. كان الكرملين لا يحقق الكثير من التقدم نحو رؤيته الخاصة لسوريا. فبشار الأسد رفض تقديم حتى أصغر التنازلات، وخطة موسكو كانت تقضي بعدم التخلي عنه، بل تقديمه كمثال على استراتيجيتها الناجحة في التدخل. فيما لو قبلت تركيا بحكومة انتقالية تحت قيادة الأسد، فإن ذلك سيكون من الأسهل تحقيقه، فالأسد لن يتنحى من تلقاء نفسه، لكن الروسي سيكون في موقف يتيح له أن يحل محله جنرالاً مناسباً. وهذا من شأنه أن يمهد الطريق لاتفاق مع الغرب ولمغادرة روسيا سوريا. دعم وشيك وسوف يسهل الدعم التركي تحقيق هذه الخطة، ومثل هذا الدعم يبدو وشيكاً. الاتفاق يشمل تنازلات لتركيا في مقابل موافقة أنقرة على إمكانية بقاء الأسد في السلطة في الوقت الراهن. والولايات المتحدة، في غضون ذلك، سوف تتخلى عن الأكراد كحليف. وفيما يبدو الروس الرابح الأكبر، فإن الأكراد يبدون على الطرف الآخر من هذا الطيف. توقعات بالنسبة إلى اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، ليس واضحاً بعدُ ما إذا كانوا سيستفيدون من المتغيرات الأخيرة في المسألة السورية أم لا. فاستعداد الأكراد لمهاجمة معقل «داعش» في الرقة نيابة عن الغرب على الأرجح أنه تراجع بشكل كبير، أما قوات المعارضة السورية فأمامها يقظة فجة في الأفق عندما تدير تركيا ظهرها لها لكي تنضم إلى الأسد في القتال ضد الأكراد، وقد يتصاعد الصراع الداخلي في تركيا، أما بشار الأسد فقد أضاف الأكراد إلى لائحة أعدائه، فيما يبقى مصيره في يد الروس.


الخبر بالتفاصيل والصور


أضف تعليقاً