البابا فرانسيس.. رجُل الوسطية و مُطفئ الحرائق الفكرية

اخبار الامارات العاجلة 9d3a5da0-f9d4-4931-864f-ed87b84eba66 البابا فرانسيس.. رجُل الوسطية و مُطفئ الحرائق الفكرية اخبار الامارات

يعتبر البابا فرانسيس رأس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، أفضل رجل إطفاء للحرائق الفكرية وحالة الشقاق التي تنتاب العالم، إثر ارتفاع الأصوات اليمينية المتطرفة، إن كان ذلك بالنسبة للمسيحيين، أو المسلمين الذين رفض ربط دينهم الإسلام بالإرهاب، رغم ملاحقة الإعلام في أوروبا له لتسجيل هذه الإدانة، بعد قيام ثلة من الإرهابيين بذبح أحد الكهنة داخل كنيسة في فرنسا. ونجح البابا فرانسيس الذي عرف بالوسطية، في عقد أهم لقاءين في تاريخ الكنيسة على مر تاريخها، عندما نجح في إذابة جبل الجليد الذي خلفه البابا «بنديكوس» مع الأزهر الشريف، أكبر المؤسسات التي تمثل المسلمين، وبعد القطيعة التي استمرت لعقود، استقبل البابا، الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، في أول زيارة لشيخ على رأس الأزهر الشريف إلى الفاتيكان .كانت صورة البابا فرانسيس وهو يغسل أرجل اللاجئين في إيطاليا، وبينهم مسلمون، تركت انطباعاً جيداً عن تواضعه، والذي تعاظم أكثر عندما اصطحب معه عدداً من اللاجئين العالقين في الجزر اليونانية،إلى دولة الفاتيكان، دون تفرقة بين المسلمين والمسيحيين منهم، قبل أن يهاجم سياسة القارة الأوروبية لاتفاقها مع تركيا على إعادة المهاجرين إليها بالقوة.ولن ينسى العالم هجومه الشرس على الرأسمالية المتوحشة، معتبراً إياها أس البلاء والحروب في العالم، بعد أن حذر من تصاعد اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية على السلام العالمي.ظل الإعلام الغربي الذي يحاول الربط بقدر الإمكان بين الإسلام والإرهاب، نتيجة للأفعال المشينة، والقتل والذبح التي يقوم بها عناصر التنظيمات الإرهابية التي تدعي نسبتها للإسلام وهو منها براء، ومع ارتفاع موجة الهجمات الإرهابية في أوروبا العام المنصرم ومطلع الحالي، وعندما كان في الطائرة عائداً من زيارة لبولندا، في أغسطس/ آب الماضي، وجه الصحفيون المرافقون له في الطائرة سؤالاً مباشراً، عن سبب عدم ذكره بتاتاً للإسلام في كل مرة يدين فيها هجوماً (إرهابياً)، لكن البابا فرانسيس ألقم سائليه حجراً بقوله: «ليس صحيحاً أو حقيقياً (القول) إن الإسلام هو الإرهاب (…) لا أعتقد أنه من الصواب الربط بين الإسلام والعنف»، ومؤكداً أنه يمكن للكاثوليك كما للمسلمين أن يكونوا عنيفين، وهو القول الذي تناقلته الأنباء، وأثلج صدور المسلمين، خاصة بعد أن حذر أوروبا من أنها تدفع قسماً من شبابها نحو الإرهاب.ليضيف بعدها: «إذا تحدثت عن أعمال عنف إسلامية يتعين علي أيضاً أن أتحدث عن أعمال عنف مسيحية. في كل الديانات تقريباً هناك دوماً مجموعة صغيرة من الأصوليين. هم موجودون عندنا أيضاً». مشدداً على أن الدين ليس الدافع الحقيقي وراء العنف، وحذر من صعود الأحزاب الشعبوية التي تنشر العنصرية والعداء للأجانب في أوروبا.صحيح أن البابا فرانسيس قال غداة مقتل كاهن في كنيسة بفرنسا ذبحاً بأيدي مهاجمين ينتمون إلى «داعش» في يوليو/ تموز الماضي: أن العالم يعيش حالة حرب لكنها ليست حرباً دينية… بل هي حرب مصالح وحرب من أجل المال ومن أجل الموارد الطبيعية، ليضيف: «تتكرر كثيراً كلمة عدم الأمان، ولكن الكلمة الحقيقية هي كلمة حرب، وعندما أقول حرباً لا أعني حرباً دينية، فالحرب ليست حرب أديان لأن الأديان كلها تدعو إلى السلام، وجميعنا نريد السلام».وقال البابا فرانسيس متوقفاً عند مقتل الأب جاك أميل «هذا الكاهن القديس قد مات فيما كان يرفع الصلاة من أجل الكنيسة جمعاء، وهذا شخص واحد! لكن كم من المسيحيين والأبرياء والأطفال يموتون أيضاً… لنفكر بنيجيريا على سبيل المثال! هذه هي الحرب! لا نخافن من قول هذه الحقيقة: العالم يعيش في حرب لأنه فقد السلام!».وأكد أن الإرهاب «يزدهر عندما يصبح رب المال هو الأول (..) وعندما لا يكون هناك خيار آخر»، قبل أن يضيف: «كم تركنا من شبابنا الأوروبيين من دون مثال أعلى ومن دون عمل… فتوجهوا إلى المخدرات والكحول وإلى الجماعات الأصولية». التركة الثقيلة اتسمت العلاقات بالتوتر والصعود والهبوط بين مشيخة الأزهر الشريف أكبر ممثل للمسلمين في العالم، والفاتيكان ممثل المسيحيين الكاثوليك، ثم دخلت في قطيعة كاملة استمرت 10 سنوات، بسبب تصريحات أدلى بها البابا السابق «بنديكيت ال 16» وفسرت على أنها تربط بين الإسلام والعنف، عندما ألقى محاضرة في جامعة ألمانية عام 2006، أشار فيها ضمنياً إلى أنه يعتقد أن الإسلام ينزع إلى العنف، ويفتقر إلى العقلانية.واقتبس بنديكيت مقطعاً من حوار دار في القرن ال 14 بين إمبراطور بيزنطي ومثقف فارسي، واستعاد قول الإمبراطور إن الإسلام انتشر عن طريق السيف. وهو القول الذي أغضب كل المؤسسات الإسلامية، وقاد لقطع العلاقة مع الفاتيكان.لكن الطرفين استأنفا في عام 2009 الحوار بينهما، لكن الأمور تأزمت مجدداً مطلع يناير/ كانون الثاني 2011، إثر إدانة البابا المستقيل في فبراير/ شباط 2013، تفجير كنيسة القديسين في مدينة الإسكندرية (شمالي مصر)، داعياً إلى حماية المسيحيين في مصر، بعد هجوم بقنبلة خارج الكنيسة، ما أسفر عن مقتل 23 شخصاً.وقرر الأزهر عقب هذا الموقف تجميد علاقاته مع الفاتيكان لأجل غير مسمى، بسبب ما اعتبره آنذاك تعرضاً متكرراً من بابا الفاتيكان السابق للإسلام «بشكل سلبي». زيارة تاريخية لكن بعد تولي البابا فرانسيس الأول رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في 2013، استؤنف الحوار شيئاً فشيئاً مع تبادل الموفدين، إلى أن أعلن الأزهر عودة العلاقات المقطوعة مع الفاتيكان نتيجة لعكوف البابا الجديد منذ انتخابه، على تحسين العلاقات بين الأديان، ويحط بعدها الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر في الفاتيكان في مايو / أيار الماضي، عبر الزيارة التي وصفت بأنها تاريخية، لإنهائها العلاقات المتأزمة بين المؤسستين الدينيتين الأكبر في العالم.قال البابا للصحافيين يومها إن الرسالة من هذا الاجتماع الذي شهد معانقة بينهما، هي «لقاؤنا» بحد ذاته، فيما أعلن المتحدث باسم الكرسي الرسولي، أن اللقاء كان «ودياً جداً»، بينما قال وكيل الأزهر، الشيخ عباس شومان إن شيخ الأزهر حمل في هذه الزيارة رسالة تسامح مزدوجة، عبر حض الدول الغربية على عدم التعامل مع مواطنيها المسلمين كجماعات تمثل خطراً عليها، مقابل حض المسلمين على الاندماج في مجتمعاتهم الغربية.ليتفق بعدها الجانبان على عقد مؤتمر دولي للسلام، والتنسيق من أجل نشر ثقافة الحوار، والتعايش بين الشعوب، والمجتمعات، وإغلاق صفحة العلاقة المتوترة، وفتح صفحة جديدة من التعاون لخير البشرية جمعاء. مع اللاجئين في الجزر رغم أن دولة الفاتيكان تعد رمزية في داخل القارة الأوروبية التي شهدت تدافعاً كبيراً من اللاجئين والمهاجرين العام الماضي والحالي، لكن عندما ارتكب تنظيم داعش بعض الأعمال الإرهابية في أوروبا، بدأت الأصوات تتعالى بضرورة غلق الباب في وجه المهاجرين، بادر البابا فرانسيس بالسفر إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، التي تكدس فيها المهاجرون بعد أن تقطعت بهم السبل في إبريل/ نيسان الماضي، داعياً إياهم إلى التمسك بالأمل، وحض في الوقت نفسه دول العالم على التعامل معهم بطريقة «تليق بالكرامة الإنسانية».وقال بابا الفاتيكان لهؤلاء المهاجرين الذين وصلوا إلى «ليسبوس» بعد دخول الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا حيز التطبيق، والذين قد يتعرضون بالتالي للإبعاد، «أصدقائي الأعزاء، أريد أن أقول لكم إنكم لستم وحدكم… لا تفقدوا الأمل». وقال لوسائل الإعلام خلال الرحلة «إنها رحلة مختلفة قليلاً عن الرحلات الأخرى. إنها رحلة يشوبها الحزن (…) سنواجه أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية».ليقوم بعدها باصطحاب 12 لاجئاً سورياً معه من المخيم إلى الفاتيكان، بعد أن أوضح أن اللاجئين هم ثلاث عائلات مسلمة «تعرضت منازلها للقصف»، وتتحدر إحداها من منطقة يحتلها «تنظيم داعش»، وأوضح في الطائرة التي أقلته إلى روما أنها «مبادرة إنسانية، وأن الدين لا يقبل أي انتقاص لأن جميع اللاجئين هم أبناء الله»،مؤكداً أنه «لم يقم باختيار»، ف«وثائق هذه العائلات الثلاث كانت قانونية، كانت هناك عائلتان مسيحيتان لكن وثائقهما لم تكن جاهزة». يغسل ويقبِّل الأرجل ستظل صور البابا فرانسيس وهو ينحني ويغسل أقدام عدد من اللاجئين والمهاجرين شهر مارس/ آذار الماضي، والذين كان من بينهم مسلمون ، ومسيحيون، وهندوس عالقة في ذاكرتهم إلى الأبد، بعد أن خلدت في سجل التاريخ الإنساني، وذلك عندما قام بغسل أقدام 11 مهاجراً بينهم ثمانية رجال، وثلاث نساء أعمارهم بين 02 و73 عاماً، وهم أربعة نيجيريين كاثوليك، وثلاث إريتريات قبطيات، وثلاثة مسلمين من مالي، وسوري،وباكستاني ، وهندي هندوسي، إضافة إلى قدمي موظفة في مركز لاستقبال المهاجرين في «كاستلنووفو دي بورتو»، في إشارة إلى الأولوية التي يعطيها للاجئين، وبدا التأثر واضحاً على المهاجرين وقام عدد منهم بتقبيل يد البابا فيما بكى بعضهم. وأكد البابا في كلمة وجيزة مرتجلة أنه قام بمبادرة «الأخوة» هذه في وجه «مبادرات الحرب والدمار التي يرتكبها أشخاص لا يريدون العيش بسلام»، في إشارة إلى اعتداءات بروكسل التي أسفرت عن مقتل 13 شخصاً وإصابة نحو 003. كما طلب البابا من مئات طالبي اللجوء من مختلف الديانات الذين حضروا المراسم «القيام جميعاً ببادرة أخوة» تجاه بعضهم البعض.وقام البابا خلال قداس «خميس الغسل» الذي جرى في الهواء الطلق بالركوع أمام كل مهاجر وغسل قدمه قبل مسحها وتقبيلها، ويتبع مركز «كاستيلنووفو دي بورتو لاستقبال طالبي اللجوء» وزارة الداخلية الإيطالية، ويأوي 298 مهاجراً من 52 بلداً أغلبهم مسلمون.ويعد غسل وتقبيل أقدام الآخرين شعيرة تقليدية يقوم بها البابا، وذلك تشبهاً بالمسيح عليه السلام الذي قام بالأمر ذاته مع حوارييه ليلة العشاء الأخير، وقد سبق للبابا فرانسيس أن قام بهذه الشعيرة عام 3002.وترّكزت أغلبية ردود الأفعال على تثمين خطوة البابا، وقد تفاعل مع خطوة البابا أشخاص من مختلف الأديان، معتبرين أنها تمثل رسالة نحو وحدة الإنسانية بعيداً عن الاختلافات.


الخبر بالتفاصيل والصور


اخبار الامارات العاجلة 9d3a5da0-f9d4-4931-864f-ed87b84eba66 البابا فرانسيس.. رجُل الوسطية و مُطفئ الحرائق الفكرية اخبار الامارات

يعتبر البابا فرانسيس رأس الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، أفضل رجل إطفاء للحرائق الفكرية وحالة الشقاق التي تنتاب العالم، إثر ارتفاع الأصوات اليمينية المتطرفة، إن كان ذلك بالنسبة للمسيحيين، أو المسلمين الذين رفض ربط دينهم الإسلام بالإرهاب، رغم ملاحقة الإعلام في أوروبا له لتسجيل هذه الإدانة، بعد قيام ثلة من الإرهابيين بذبح أحد الكهنة داخل كنيسة في فرنسا.
ونجح البابا فرانسيس الذي عرف بالوسطية، في عقد أهم لقاءين في تاريخ الكنيسة على مر تاريخها، عندما نجح في إذابة جبل الجليد الذي خلفه البابا «بنديكوس» مع الأزهر الشريف، أكبر المؤسسات التي تمثل المسلمين، وبعد القطيعة التي استمرت لعقود، استقبل البابا، الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، في أول زيارة لشيخ على رأس الأزهر الشريف إلى الفاتيكان .
كانت صورة البابا فرانسيس وهو يغسل أرجل اللاجئين في إيطاليا، وبينهم مسلمون، تركت انطباعاً جيداً عن تواضعه، والذي تعاظم أكثر عندما اصطحب معه عدداً من اللاجئين العالقين في الجزر اليونانية،إلى دولة الفاتيكان، دون تفرقة بين المسلمين والمسيحيين منهم، قبل أن يهاجم سياسة القارة الأوروبية لاتفاقها مع تركيا على إعادة المهاجرين إليها بالقوة.
ولن ينسى العالم هجومه الشرس على الرأسمالية المتوحشة، معتبراً إياها أس البلاء والحروب في العالم، بعد أن حذر من تصاعد اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية على السلام العالمي.
ظل الإعلام الغربي الذي يحاول الربط بقدر الإمكان بين الإسلام والإرهاب، نتيجة للأفعال المشينة، والقتل والذبح التي يقوم بها عناصر التنظيمات الإرهابية التي تدعي نسبتها للإسلام وهو منها براء، ومع ارتفاع موجة الهجمات الإرهابية في أوروبا العام المنصرم ومطلع الحالي، وعندما كان في الطائرة عائداً من زيارة لبولندا، في أغسطس/ آب الماضي، وجه الصحفيون المرافقون له في الطائرة سؤالاً مباشراً، عن سبب عدم ذكره بتاتاً للإسلام في كل مرة يدين فيها هجوماً (إرهابياً)، لكن البابا فرانسيس ألقم سائليه حجراً بقوله: «ليس صحيحاً أو حقيقياً (القول) إن الإسلام هو الإرهاب (…) لا أعتقد أنه من الصواب الربط بين الإسلام والعنف»، ومؤكداً أنه يمكن للكاثوليك كما للمسلمين أن يكونوا عنيفين، وهو القول الذي تناقلته الأنباء، وأثلج صدور المسلمين، خاصة بعد أن حذر أوروبا من أنها تدفع قسماً من شبابها نحو الإرهاب.
ليضيف بعدها: «إذا تحدثت عن أعمال عنف إسلامية يتعين علي أيضاً أن أتحدث عن أعمال عنف مسيحية. في كل الديانات تقريباً هناك دوماً مجموعة صغيرة من الأصوليين. هم موجودون عندنا أيضاً». مشدداً على أن الدين ليس الدافع الحقيقي وراء العنف، وحذر من صعود الأحزاب الشعبوية التي تنشر العنصرية والعداء للأجانب في أوروبا.
صحيح أن البابا فرانسيس قال غداة مقتل كاهن في كنيسة بفرنسا ذبحاً بأيدي مهاجمين ينتمون إلى «داعش» في يوليو/ تموز الماضي: أن العالم يعيش حالة حرب لكنها ليست حرباً دينية… بل هي حرب مصالح وحرب من أجل المال ومن أجل الموارد الطبيعية، ليضيف: «تتكرر كثيراً كلمة عدم الأمان، ولكن الكلمة الحقيقية هي كلمة حرب، وعندما أقول حرباً لا أعني حرباً دينية، فالحرب ليست حرب أديان لأن الأديان كلها تدعو إلى السلام، وجميعنا نريد السلام».
وقال البابا فرانسيس متوقفاً عند مقتل الأب جاك أميل «هذا الكاهن القديس قد مات فيما كان يرفع الصلاة من أجل الكنيسة جمعاء، وهذا شخص واحد! لكن كم من المسيحيين والأبرياء والأطفال يموتون أيضاً… لنفكر بنيجيريا على سبيل المثال! هذه هي الحرب! لا نخافن من قول هذه الحقيقة: العالم يعيش في حرب لأنه فقد السلام!».
وأكد أن الإرهاب «يزدهر عندما يصبح رب المال هو الأول (..) وعندما لا يكون هناك خيار آخر»، قبل أن يضيف: «كم تركنا من شبابنا الأوروبيين من دون مثال أعلى ومن دون عمل… فتوجهوا إلى المخدرات والكحول وإلى الجماعات الأصولية».

التركة الثقيلة

اتسمت العلاقات بالتوتر والصعود والهبوط بين مشيخة الأزهر الشريف أكبر ممثل للمسلمين في العالم، والفاتيكان ممثل المسيحيين الكاثوليك، ثم دخلت في قطيعة كاملة استمرت 10 سنوات، بسبب تصريحات أدلى بها البابا السابق «بنديكيت ال 16» وفسرت على أنها تربط بين الإسلام والعنف، عندما ألقى محاضرة في جامعة ألمانية عام 2006، أشار فيها ضمنياً إلى أنه يعتقد أن الإسلام ينزع إلى العنف، ويفتقر إلى العقلانية.
واقتبس بنديكيت مقطعاً من حوار دار في القرن ال 14 بين إمبراطور بيزنطي ومثقف فارسي، واستعاد قول الإمبراطور إن الإسلام انتشر عن طريق السيف. وهو القول الذي أغضب كل المؤسسات الإسلامية، وقاد لقطع العلاقة مع الفاتيكان.
لكن الطرفين استأنفا في عام 2009 الحوار بينهما، لكن الأمور تأزمت مجدداً مطلع يناير/ كانون الثاني 2011، إثر إدانة البابا المستقيل في فبراير/ شباط 2013، تفجير كنيسة القديسين في مدينة الإسكندرية (شمالي مصر)، داعياً إلى حماية المسيحيين في مصر، بعد هجوم بقنبلة خارج الكنيسة، ما أسفر عن مقتل 23 شخصاً.
وقرر الأزهر عقب هذا الموقف تجميد علاقاته مع الفاتيكان لأجل غير مسمى، بسبب ما اعتبره آنذاك تعرضاً متكرراً من بابا الفاتيكان السابق للإسلام «بشكل سلبي».

زيارة تاريخية

لكن بعد تولي البابا فرانسيس الأول رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في 2013، استؤنف الحوار شيئاً فشيئاً مع تبادل الموفدين، إلى أن أعلن الأزهر عودة العلاقات المقطوعة مع الفاتيكان نتيجة لعكوف البابا الجديد منذ انتخابه، على تحسين العلاقات بين الأديان، ويحط بعدها الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر في الفاتيكان في مايو / أيار الماضي، عبر الزيارة التي وصفت بأنها تاريخية، لإنهائها العلاقات المتأزمة بين المؤسستين الدينيتين الأكبر في العالم.
قال البابا للصحافيين يومها إن الرسالة من هذا الاجتماع الذي شهد معانقة بينهما، هي «لقاؤنا» بحد ذاته، فيما أعلن المتحدث باسم الكرسي الرسولي، أن اللقاء كان «ودياً جداً»، بينما قال وكيل الأزهر، الشيخ عباس شومان إن شيخ الأزهر حمل في هذه الزيارة رسالة تسامح مزدوجة، عبر حض الدول الغربية على عدم التعامل مع مواطنيها المسلمين كجماعات تمثل خطراً عليها، مقابل حض المسلمين على الاندماج في مجتمعاتهم الغربية.
ليتفق بعدها الجانبان على عقد مؤتمر دولي للسلام، والتنسيق من أجل نشر ثقافة الحوار، والتعايش بين الشعوب، والمجتمعات، وإغلاق صفحة العلاقة المتوترة، وفتح صفحة جديدة من التعاون لخير البشرية جمعاء.

مع اللاجئين في الجزر

رغم أن دولة الفاتيكان تعد رمزية في داخل القارة الأوروبية التي شهدت تدافعاً كبيراً من اللاجئين والمهاجرين العام الماضي والحالي، لكن عندما ارتكب تنظيم داعش بعض الأعمال الإرهابية في أوروبا، بدأت الأصوات تتعالى بضرورة غلق الباب في وجه المهاجرين، بادر البابا فرانسيس بالسفر إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، التي تكدس فيها المهاجرون بعد أن تقطعت بهم السبل في إبريل/ نيسان الماضي، داعياً إياهم إلى التمسك بالأمل، وحض في الوقت نفسه دول العالم على التعامل معهم بطريقة «تليق بالكرامة الإنسانية».
وقال بابا الفاتيكان لهؤلاء المهاجرين الذين وصلوا إلى «ليسبوس» بعد دخول الاتفاق بين الاتحاد الأوروبي وتركيا حيز التطبيق، والذين قد يتعرضون بالتالي للإبعاد، «أصدقائي الأعزاء، أريد أن أقول لكم إنكم لستم وحدكم… لا تفقدوا الأمل». وقال لوسائل الإعلام خلال الرحلة «إنها رحلة مختلفة قليلاً عن الرحلات الأخرى. إنها رحلة يشوبها الحزن (…) سنواجه أسوأ كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية».
ليقوم بعدها باصطحاب 12 لاجئاً سورياً معه من المخيم إلى الفاتيكان، بعد أن أوضح أن اللاجئين هم ثلاث عائلات مسلمة «تعرضت منازلها للقصف»، وتتحدر إحداها من منطقة يحتلها «تنظيم داعش»، وأوضح في الطائرة التي أقلته إلى روما أنها «مبادرة إنسانية، وأن الدين لا يقبل أي انتقاص لأن جميع اللاجئين هم أبناء الله»،مؤكداً أنه «لم يقم باختيار»، ف«وثائق هذه العائلات الثلاث كانت قانونية، كانت هناك عائلتان مسيحيتان لكن وثائقهما لم تكن جاهزة».

يغسل ويقبِّل الأرجل

ستظل صور البابا فرانسيس وهو ينحني ويغسل أقدام عدد من اللاجئين والمهاجرين شهر مارس/ آذار الماضي، والذين كان من بينهم مسلمون ، ومسيحيون، وهندوس عالقة في ذاكرتهم إلى الأبد، بعد أن خلدت في سجل التاريخ الإنساني، وذلك عندما قام بغسل أقدام 11 مهاجراً بينهم ثمانية رجال، وثلاث نساء أعمارهم بين 02 و73 عاماً، وهم أربعة نيجيريين كاثوليك، وثلاث إريتريات قبطيات، وثلاثة مسلمين من مالي، وسوري،وباكستاني ، وهندي هندوسي، إضافة إلى قدمي موظفة في مركز لاستقبال المهاجرين في «كاستلنووفو دي بورتو»، في إشارة إلى الأولوية التي يعطيها للاجئين، وبدا التأثر واضحاً على المهاجرين وقام عدد منهم بتقبيل يد البابا فيما بكى بعضهم.
وأكد البابا في كلمة وجيزة مرتجلة أنه قام بمبادرة «الأخوة» هذه في وجه «مبادرات الحرب والدمار التي يرتكبها أشخاص لا يريدون العيش بسلام»، في إشارة إلى اعتداءات بروكسل التي أسفرت عن مقتل 13 شخصاً وإصابة نحو 003. كما طلب البابا من مئات طالبي اللجوء من مختلف الديانات الذين حضروا المراسم «القيام جميعاً ببادرة أخوة» تجاه بعضهم البعض.
وقام البابا خلال قداس «خميس الغسل» الذي جرى في الهواء الطلق بالركوع أمام كل مهاجر وغسل قدمه قبل مسحها وتقبيلها، ويتبع مركز «كاستيلنووفو دي بورتو لاستقبال طالبي اللجوء» وزارة الداخلية الإيطالية، ويأوي 298 مهاجراً من 52 بلداً أغلبهم مسلمون.
ويعد غسل وتقبيل أقدام الآخرين شعيرة تقليدية يقوم بها البابا، وذلك تشبهاً بالمسيح عليه السلام الذي قام بالأمر ذاته مع حوارييه ليلة العشاء الأخير، وقد سبق للبابا فرانسيس أن قام بهذه الشعيرة عام 3002.
وترّكزت أغلبية ردود الأفعال على تثمين خطوة البابا، وقد تفاعل مع خطوة البابا أشخاص من مختلف الأديان، معتبرين أنها تمثل رسالة نحو وحدة الإنسانية بعيداً عن الاختلافات.

رابط المصدر: البابا فرانسيس.. رجُل الوسطية و مُطفئ الحرائق الفكرية

أضف تعليقاً