دفع الفلسطينيين إلى الاقتتال خطوة خطيرة

بلغ الانقسام في المجتمع الإسرائيلي، حدوداً غير مسبوقة، وبات يشكل عقبة أساسية تعترض وضع استراتيجية موحدة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، أو تآزر الفلسطينيين وراء هدف واحد. ويدرك وزير الدفاع الإسرائيلي شديد التعصب المعين، أخيراً، أفيغدور ليبرمان، هذا الواقع تماماً. وقد ارتكز التكتيك الذي اعتمده منذ توليه الحقيبة الوزارية على الاستثمار في هذه الانقسامات، باعتبارها السبيل إلى زيادة الشرخ في المجتمع الفلسطيني. وبمعزل عن البيانات الشائنة، يعدّ مخطط ليبرمان، الأحدث في قمة الهمجية، حيث يخطط لاعتماد الرمز اللوني للجماعات الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وتقسيمها إلى لونين، حيث الأخضر يرادف الجيد، والأحمر السيئ. وتتم بناءً عليه مكافأة الجماعة الجيدة لحسن التصرف، في حين تعاني تلك السيئة من عقوبات جماعية، حتى لو تجرأ واحد من أفرادها فقط على مقاومة جيش الاحتلال الإسرائيلي. ومن المثير للحيرة، أن هذا التفكير المشين الذي لا يزال سائداً في القرن الواحد والعشرين، لم يصحبه أي اعتراض دولي. رموز ليبرمان اللونية وتوازياً مع الرموز اللونية لليبرمان، ستبرز حملة إعادة إحياء مفهوم «روابط القرى»، وهي تجربة إسرائيلية فاشلة أخرى، كان الهدف منها، فرض قيادة فلسطينية «بديلة»، من خلال «تنصيب أعيان» فلسطينيين بدلاً من قادة منتخبين ديمقراطياً. ويتلخص حلّ ليبرمان بتشكيل قيادة شبيهة بروابط القرى في فترة السبعينيات والثمانينيات، من شبه المؤكد، أنها ستعتبر متعاملةً وخائنة من قبل السواد الأعظم من المجتمع الفلسطيني. ولطالما سعت إسرائيل لتشكيل قيادة بديلة للفلسطينيين، وقد توجت مساعيها عام 1978، بتأسيس «روابط القرى»، ومنح أعضائها صلاحيات واسعة نسبياً، تتضمن الإقرار أو رفض تطوير المشاريع في الأراضي المحتلة، إضافة إلى تسليح الأعضاء، ومنحهم حماية الجيش الإسرائيلي. إلا أن الخطة باءت بالفشل، بعد اعتبار أعضاء الروابط مجرد عملاء لإسرائيل من قبل الفلسطينيين. وأدركت إسرائيل بعد بضع سنوات، الطبيعة المصطنعة للتشكيلة، وصعوبة حض الفلسطينيين على تقبل رؤية إسرائيل القائمة على الاحتلال العسكري الدائم والاستقلالية الظاهرية. وقررت حلّ تلك الروابط عام 1984. لا يعتبر ليبرمان متفطناً في التاريخ، لكن ماذا يتأمل أن يحصد من هذه المكيدة بأي حال؟. عام 1976 حشدت الانتخابات البلدية الطاقات الفلسطينية، ووجهتها نحو الوحدة، وقد تآزر الفلسطينيون حول قضايا مشتركة، وأوجدوا منصة موحدة، عنوانها منظمة التحرير الفلسطيني. القبلية السياسية الداخلية أما اليوم، فلا يمكن أن يختلف اثنان حيال الشقاق الحاصل في الوسط الفلسطيني، وقد أعاق اقتتال منظمة فتح وحركة حماس طويل الأمد، أسس المسار القومي لفلسطين، وحوّله إلى نوع من القبلية السياسية. ويسود الضفة الغربية وقطاع غزة انقسام لا يقتصر على الجغرافيا، ويتعداه إلى الجيوبوليتيكا. والأدهى من كل ذلك، أن نظام العقاب والمكافأة الإسرائيلي قد ترك أبلغ الأثر في تقسيم الفلسطينيين طبقياً وفئوياً، حيث كان هناك الفقراء المعدمون، الذين يسكنون في غزة والمنطقة «ج» في الضفة الغربية، في حين أن الميسورين نسبياً من كانوا ينتمون بغالبيتهم إلى السلطة الفلسطينية في رام الله. ولا بدّ من وجهة نظر ليبرمان، لأن تكون الظروف واللحظة مواتيين لإعادة تحديد وإعادة فرض مفهوم روابط القرى. وسواء نجح المخطط بصيغته الأصلية أو فشل، لا فرق، طالما أن الفكرة الأساسية تتمحور حور بث المزيد من الانقسام بين الفلسطينيين، وحصد الفوضى المجتمعية، والصدام السياسي، وتكرار ربما حرب غزة الأهلية المختصرة لعام 2007. لا بدّ للمجتمع الدولي من أن يرفض بالكامل مثل تلك المخططات الباطلة، ونهج التفكير التخريبي، وأن يرغم إسرائيل على احترام الخيارات الديمقراطية للشعب الفلسطيني. تكفي نظرة خاطفة على التاريخ، بأن تنبئنا بفشل تكتيكات ليبرمان، لكن السؤال يبقى، ما هو الثمن لقاء ذاك الفشل؟. تطرف يعتبر ليبرمان متطرفاً، حتى وفق معايير الجيش الإسرائيلي، وله تاريخ حافل بالتصريحات العنيفة والعنصرية، التي كان آخرها، الغمز من قناة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، حيث تعمّد توجيه انتقادات لاذعة لأكثر شعراء فلسطين شهرةً، وذهب في شطحاته بعيداً، فتجرأ وقارن قصائد درويش التي تنادي بتحرير فلسطين وشعبها، بكتاب السيرة الذاتية للزعيم النازي أدولف هتلر «كفاحي». ولا تتوقف تصريحات ليبرمان المثيرة للسخط، عند حدود الاستهزاء، وقد تعدتها عام 2015 بالتهديد بقطع رؤوس الفلسطينيين الذين لا يبدون ولاءً خالصاً لـ «الدولة اليهودية».


الخبر بالتفاصيل والصور


أضف تعليقاً