15 عاماً على هجمات 9/11.. وحمى الأمن هاجس الأميركيين

كادت حمى الانتخابات الرئاسية وما أفرزتها من توترات وانقسامات عرقية ودينية ان تنسي الأميركيين إحياء ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر هذا العام، رغم انهم استعادوا أصداء الاعتداء الإرهابي عدة مرات في مناسبات أليمة شهدتها الولايات المتحدة خلال العام الماضي. فاتفق الأميركيون مثلا على اعتبار حادثة إطلاق النار التي نفذها شاب أميركي مسلم في ملهى المثليين في أورلاندو ثاني أكبر عمل أرهابي تتعرض له الولايات المتحدة بعد هجمات سبتمبر. وحل هجوم سان برناردينو الذي نفذه الأميركي الباكستاني الأصل سيد فاروق وزوجته في المرتبة الثالثة. كذلك وصف مقتل خمسة من رجال الشرطة برصاص شاب أميركي من أصول إفريقية في مدينة دالاس في تكساس بانه اكبر خسارة بشرية للشرطة الأميركية منذ هجمات سبتمبر. وعلى وقع الهجمات الإرهابية في الولايات المتحدة وأوروبا ارتفعت مجدداً أسهم ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمع الأميركي بعد الذروة التي بلغتها في العام 2001 .لكن مظاهر التمييز ضد المسلمين والاعتداءات على مساجدهم لم يكن سببها هذه المرة تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بل الخطاب التحريضي ضد المسلمين لدونالد ترامب، أحد أثرياء نيويورك، المرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية. بهذا المعنى لم تشف أميركا بعد من لعنة الإرهاب التي ضربتها في سبتمبر 2001 وما زالت الصدمة الأمنية والثقافية التي تعرض لها الوعي الأميركي في سبتمبر 2011، المحفورة في ذاكرة أميركا والعالم، تتردد أصداءها في شوارع المدن بعد كل حادث إطلاق نار تشهده الولايات المتحدة حيث يقتل ويجرح سنويا عشرات الآلاف بحوادث من هذا القبيل. سؤال الأمن السؤال البديهي الذي يطرح نفسه في ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر هو ما إذا كان الأميركيون أكثر أمناً اليوم.. بعد مضي 15 عاماً؟ والجواب البديهي أيضاً هو لا .ذلك ان احتمال تعرض الولايات المتحدة لعمل إرهابي اليوم قد يكون أكبر بكثير مما كان عليه الأمر قبل عقد ونصف العقد. ورغم التخلص من أسامة بن لادن فان تنظيم القاعدة ما زال يشكل خطرا على الأمن الأميركي. والأخطر من القاعدة هو تنظيم داعش وقدرته المتنامية على تجنيد أنصار له داخل الولايات المتحدة عبر الإنترنت وتشكيل خلايا إرهابية أو تحفيز العشرات من الذئاب المنفردة لتنفيذ هجمات بمبادرات فردية ضد أهداف متنوعة في المدن الأميركية وتوقيعها باسم داعش. فقد استفادت الأجيال الجديدة من الإرهابيين من طفرة السوشيل ميديا وما أتاحته تكنولوجيا المعلومات المتطورة من سهولة في الاتصالات والحصول على ملاذات على شبكة الإنترنت وفي الفضاء الإلكتروني ثبت أنها اكثر أمناً من الملاذات التي لجأت آليها المجموعات الإرهابية المتشددة في أفغانستان والعراق واليمن والصومال ..ولاحقا في سوريا و ليبيا وسيناء. بكلام اخر فان الخطر الذي تشكله اليوم معاقل الإرهابيين في العالم الافتراضي على الأمن القومي الأميركي، وقدرتها على تنفيذ هجمات إرهابية داخل الولايات المتحدة هو أعقد وأكبر بكثير من الخطر الذي شكله تواجد تنظيم القاعدة وحركة طالبان في أفغانستان وباكستان. وهذا يستدعي استراتيجيات أمنية جديدة ما زال المسؤولون والخبراء الأمنيون الأميركيون في طور البحث عنها والمساجلة بشأنها. هجمات سبتمبر في السجال الانتخابي الرئاسي لا شك ان الحرب على الإرهاب التي اعلنها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر قامت على اثرها القوات الأميركية بغزو أفغانستان لملاحقة قيادة تنظيم القاعدة وعناصرها في كهوف تورا بورا ثم غزت العراق وأطاحت نظام صدام حسين قد باءت بفشل ذريع أجبرت إدارة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما اعتماد استراتيجية الانسحاب من العراق وأفغانستان. وتحتل استراتيجية أوباما الأمنية حيزاً رئيسياً من السجال الانتخابي الذي تشهده الولايات المتحدة على أبواب الانتخابات الرئاسية في الثامن من نوفمبر المقبل . وبمعزل عن تقييم هذه الاستراتيجية وتعداد إخفاقاتها ونجاحاتها فإنها تطرح مقاربتها الخاصة لكيفية حماية الأمن القومي الأميركي وضمان عدم تكرار ما شهدته نيويورك وواشنطن وبنسلفانيا في الحادي عشر من سبتمبر 2001. وحقيقة ان المعركة الانتخابية المحتدمة في الولايات المتحدة اليوم هي بين مرشحين ينتميان إلى مدينة نيويورك التي نالت الضرر البشري والمادي والمعنوي الاكبر جراء هجمات سبتمبر، فان أصداء الهجوم الإرهابي حاضرة بقوة في الخطاب الانتخابي للمرشحين الجمهوري والديمقراطي: الملياردير النيويوركي دونالد ترامب وممثلة نيويورك في مجلس الشيوخ الأميركي هيلاري كلينتون في العام 2001 عندما صدمت طائرات القاعدة برجي مركز التجارة . وفي مناسبات انتخابية عدة استحضر المرشح الجمهوري تداعيات هجمات سبتمبر من اجل استثمارها انتخابيا وتحديداً في حملته التحريضية ضد المسلمين بعد دعوته المثيرة للجدل والتي اطلقها بعد هجمات سان برناردينو الإرهابي التي نفذها شاب أميركي مسلم وزوجته. وفي معرض تبرير دعوته ضد المسلمين زعم الملياردير النيويوركي عدة مرات انه شاهد على شاشات التلفزة آلاف العرب والمسلمين في ولاية نيوجيرسي يتظاهرون احتفالا بعد وقوع هجمات سبتمبر 2001. علما أن وسائل الإعلام الأميركية ومراكز الشرطة في نيويورك ونيوجيرسي نفت حصول أي تظاهرات من هذا النوع . خطاب عنصري وعلى غرار ردود الفعل العنصرية ضد المسلمين التي شهدتها الولايات المتحدة عقب هجمات سبتمبر تسبب الخطاب العنصري لدونالد ترامب بعودة قوية لمظاهر الإسلاموفوبيا إلى المجتمع الأميركي. لكن هذه الموجة الجديدة من الإسلاموفوبيا تترافق أيضاً مع تنامي الشعور العنصري في أوساط الأميركيين جميعا واحتدام المواجهة العنصرية بين الأميركيين من أصول أوروبية في مقابل الأميركيين من أصول أفريقية ولاتينية ما يجعل مخاطر مظاهر العنصرية ضد المسلمين في المرتبة الثالثة مقارنة مع المواجهة العنصرية المسلحة التي تشهدها المدن الاميركية بين رجال الشرطة البيض والمجموعات الشبابية من ذوي الأصول الأفريقية، او مع حالة العداء للمهاجرين من أميركا اللاتينية التي تسبب بها خطاب ترامب العنصري ضد المكسيكيين ومشروعه لبناء جدار على الحدود لمنع تهريب المخدرات وتسلل المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة. أولوية أميركية صحيح ان مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيمي داعش والقاعدة والمجموعات الإرهابية الأخرى لايزال أولوية في استراتيجيات حماية الأمن القومي الأميركي الا أن ثمة نقاش جدي تشهده الولايات المتحدة حول سلم الأولويات الأمنية وأي التهديدات اخطر على أميركا اليوم .هل هو الإرهاب الذي لا يتجاوز عدد ضحاياه على الارض الاميركية المئة ام انتشار الأسلحة الفردية في البلاد وانتشار الجريمة المنظمة وتجاوز أعداد ضحايا حوادث إطلاق النار عشرات الآلاف سنويا او الميليشيات المسلحة التابعة للمجموعات العنصرية المتطرفة من الأميركيين البيض والميليشيات المقابلة من السود والناشطين اليساريين. من وجهة نظر اليمين الأميركي ومرشحه دونالد ترامب فان الخطر الأمني على الولايات المتحدة مصدره ما يسميه الإسلام الراديكالي والحل بالنسبة لوجهة النظر هذه يمثل بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة. الخطر الأمني الآخر بالنسبة لوجهة النظر نفسها يتمثل بانتشار الجريمة وازدهار تجارة المخدرات بسبب الهجرة غير الشرعية الى الولايات المتحدة من بلدان اميركا اللاتينية. والحل يتمثل بترحيل ملايين المقيمين بطريقة غير شرعية في الولايات المتحدة وإقامة جدار فاصل مع المكسيك. خطر السلاح في المقابل، يتبنى الديمقراطيون مقاربة مختلفة فالرئيس باراك أوباما والمرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون يعتبرون ظاهرة انتشار الأسلحة هي الخطر الأكبر الذي يهدد الحياة اليومية للمواطن ألأميركي وكذلك لأمنه القومي.. خصوصا مع التزايد المخيف في أعداد ضحايا حوادث إطلاق النار وتحديدا حوادث إطلاق النار الجماعية التي باتت حدثا يوميا في الولايات المتحدة. لهذا يسعى الديمقراطيون دون جدوى لإقرار قوانين جديدة في الكونغرس تفرض قيود على حيازة الأسلحة لمنع ذوي السوابق الجنائية والمشتبه بانتمائهم لتنظيمات إرهابية وكذلك الذين يعانون من أمراض نفسية واضطرابات عقلية من الحصول على أسلحة وشراؤها بسهولة من مخازن بيع السلاح المنتشرة في الولايات الأميركية كافة. و تصطدم الجهود الديمقراطية بالأغلبية الجمهورية التي تسيطر على الكونغرس وتعتبر المس بحق حيازة الأسلحة الفردية انتهاكا للمقدسات الأميركية والغاءً للبند الثاني من الدستور الذي يكفل للمواطنين حق الدفاع عن النفس وامتلاك سلاحهم الخاص. وتقوم استراتيجية أوباما في محاربة تنظيم داعش الذي تمثل الجيل الجديد من الإرهابيين بعد أجيال القاعدة تقوم على فصل الإسلام عن هذا التنظيم والتعامل معه على انه مجموعة من المجرمين وشذاذ الآفاق لا يمتون بأي صلة للمعتقدات الإسلامية. على هذا يعتبر الديمقراطيون ان تحريض ترامب ضد المسلمين ودعوته لمنع مليار ونصف مليار مسلم من دخول الولايات المتحدة هو اكبر تهديد استراتيجي للأمن القومي الأميركي، اضف إلى ذلك فان هذه الدعوة تقدم خدمة مجانية لـ داعش وتساعد حملاتها الترويجية للعداء بين الإسلام وأميركا والغرب المسيحي وبالتالي تزيد من قدراتها على تجنيد مزيد من الأنصار في أوروبا والولايات المتحدة. اليوم الأسود بعد مرور 15 عاما على وقوع هجمات سبتمبر، لم تنجح الإدارات الأميركية المتعاقبة ولا الأجهزة الاستخباراتية، ولا الجيوش التي أرسلت إلى أفغانستان ثم العراق في الحد من خطر شن هجمات إرهابية على الأراضي الأميركية، فقد يكون العام 2016 عاماً ذهبياً بالنسبة للإرهابيين في العالم وخصوصا في أوروبا والولايات المتحدة. والإهانة الكبرى لهيبة الولايات المتحدة وقوتها عام 2001 لم تردها كل الحروب التي خاضتها أميركا إذا لم نتحدث عن الإهانات المتكررة التي باتت تتعرض لها تلك الهيبة منذ ذاك اليوم الأسود في الحادي عشر من سبتمبر 2001.


الخبر بالتفاصيل والصور


أضف تعليقاً