مقام سوريا بعد الحطام

الطفل الذي خرج من رحم الحطام، وهو مغطَّى بالغبار صورة مصغرة لسوريا بعد أن كانت في مقام لم يمسه الحطام لقرابة نصف قرن مضى. مثل هذا الطفل وأكثر نشرت “العفو الدولية” تقريراً حول وفاة نحو 18 ألف سوري في سجون النظام من 2011 إلى 2015 أيضاً تحولوا إلى حطام من ضحايا النظام، من شدة الضرب والاغتصاب، ويكفي عنوان التقرير تعبيراً عن هذه الحالة السورية الاستثنائية في تاريخ سوريا الحديث “إنه يكسر الإنسان”: التعذيب والمرض والموت في السجون السورية”. وإذا رجعنا قرابة شهرين إلى الوراء لاسترجاع مقولة الأسد في خطابه أمام مجلس الشعب المحطَّم، إن “الجيش سيحرر كل شبر من الأراضي السورية مثلما فعل في تدمر”، و”لا خيار أمامنا سوى الانتصار، وإلا فلن تبقى سوريا”. وأضاف: “إن حلب ستكون بمثابة المقبرة التي تُدفن فيها أحلام أردوغان”.وبعد هذا الخطاب “العنتري” انتقلت الكارثة إلى حلب المحاصرة منذ أشهر من دون التوصل إلى نسمة الحل الإنساني، حيث علق عضو في الهيئة العليا للمعارضة بأن “الرسالة التي توجه إلى شعبنا: إما الرحيل أو الجوع”. قرابة نصف مليون “حلبي” بانتظار رحمة 48 ساعة لوقف إطلاق النار من أجل الإنسان في الداخل السوري حتى يتمكن العالم من وقف حطام الإنسان في سوريا كل الشعب وليس الرجل الفرد الأسد.لا يمر يوم على الأزمة السورية التي تبحث عن الحل الضائع ما بين ذلك الحطام الذي طال كل شيء في سوريا، لأنها ماضية إلى استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى، أي إلى مرحلة اللاسوريا.عندما تهدد 48 منظمة مدنية سورية بالانسحاب من مفاوضات السلام “العاثرة”، لم تطالب في خطابها إلا “بعد خمس سنوات من الصراع، فإن شعبنا لا يرغب في أي سلام، بل يرغب في سلام عادل”، وهو ما ظُلم في مباحثات جنيف الثلاثة التي ذهبت إلى حتفها والرابعة بانتظار المفاجآت الأخرى.بعض من أهل الاختصاص في التحليل السياسي يلقون باللائمة الأولى على أميركا حتى أن أحد عناوين الصنداي تليجراف خرج ليقول لنا، “أميركا وحدها تستطيع إجبار الأسد على التفاوض بشأن سوريا”.يقول ريتشارد هاوس، المدير السابق بوزارة الخارجية الأميركية: إن “الهوة كانت دائماً كبيرة بين الأهداف التي أعلنتها الولايات المتحدة في سوريا، وما تقوم به من عمل لتحقيق هذه الأهداف، ومن بين هذه الأهداف، لا بد من رحيل الأسد”.إن “جهود الولايات المتحدة لإنشاء قوات محلية سُنية في سوريا باءت بالفشل، لأن هذه القوات كان هدفها إسقاط الأسد، أما هدف الولايات المتحدة، فكان إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية”.بعد دخول روسيا على خط الأزمة السورية بعمق صار الخطاب الأميركي عن الوضع الراهن مختلف، بل عكس ما كان يدور على الساحة السياسية منذ أسابيع قليلة.وصفت الولايات المتحدة تعهد بشار الأسد باستعادة “كل شبر” من سوريا بأنه غير مشجع مطالبة روسيا وإيران بممارسة الضغط عليه لاحترام اتفاق وقف العمليات القتالية في البلاد، لقد ذهب هذا الاتفاق أدراج “الحطام” السوري، ولم نشم له رائحة، غير عفن الجثث التي تزكم الأنوف.ماذا عن الحاضر، بعد أن عرفنا ما جرى في الأيام غير حاضرة أمامنا، فتركيا الدولة الوحيدة التي كانت تصر على رحيل الأسد إلى ما قبل الانقلاب تغيرت إلى النقيض وأعادت دوران الساعة إلى الوراء لكي تقبل ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية التي انتقلت إلى رحمة الله منذ أكثر من خمس سنوات مضت على وفاتها.فتركيا اليوم ومعها روسيا وإيران وأميركا انقلبوا على الأزمة برمتها وطغى خطاب المصالح المشتركة، بل المختلطة بكل التناقضات السياسية التي كنّا نسمع عنها في النظريات السياسية، غدت اليوم، الميزان الذي يحكم المعادلة السورية مع كافة الشركاء في الثلث وأكثر.هكذا يعلو صوت الواقع المفروض على صوت المعركة الذي كان عالياً وصداحاً لعقود، فـ “داعش” و”القاعدة” و”الحوثيون” و”حرب الإرهاب” بالجملة هي الشغل الشاغل الذي غطى على كل ما يحدث في الميدان في سوريا، بعد أن دمرت دواوين الحكم ومؤسساته المدنية والإنسانية في القصف العشوائي من قبل الأعداء والخصوم والأصدقاء، وشركاء هؤلاء ونيرانهم هي التي تساعد وتساهم في تحويل سوريا ذات المقام السامي إلى غبار أسود للحطام الذي يخرج من تحته يومياً شواهد الواقع الدامي والصراع الأعمى في منطقة لا تحتمل كل تلك الصراعات المؤدلجة بكافة اتجاهاتها وتياراتها التي أحرقت سوريا الشعب والوطن في وقت واحد، وفي فترة قصيرة من عمر انهيار الدول القائمة حتى وإن وصفت في يوم ما بالفاشلة، فبقية دولة حية خير من ترقب الموت الرحيم الذي يمارس ضد سوريا التاريخ رأس الحضارات الإنسانية ببطءودقة بالغة في تحطيم الحطام المتبقي من سوريا الآن.


الخبر بالتفاصيل والصور


الطفل الذي خرج من رحم الحطام، وهو مغطَّى بالغبار صورة مصغرة لسوريا بعد أن كانت في مقام لم يمسه الحطام لقرابة نصف قرن مضى. مثل هذا الطفل وأكثر نشرت “العفو الدولية” تقريراً حول وفاة نحو 18 ألف سوري في سجون النظام من 2011 إلى 2015 أيضاً تحولوا إلى حطام من ضحايا النظام، من شدة الضرب والاغتصاب، ويكفي عنوان التقرير تعبيراً عن هذه الحالة السورية الاستثنائية في تاريخ سوريا الحديث “إنه يكسر الإنسان”: التعذيب والمرض والموت في السجون السورية”. وإذا رجعنا قرابة شهرين إلى الوراء لاسترجاع مقولة الأسد في خطابه أمام مجلس الشعب المحطَّم، إن “الجيش سيحرر كل شبر من الأراضي السورية مثلما فعل في تدمر”، و”لا خيار أمامنا سوى الانتصار، وإلا فلن تبقى سوريا”. وأضاف: “إن حلب ستكون بمثابة المقبرة التي تُدفن فيها أحلام أردوغان”.

وبعد هذا الخطاب “العنتري” انتقلت الكارثة إلى حلب المحاصرة منذ أشهر من دون التوصل إلى نسمة الحل الإنساني، حيث علق عضو في الهيئة العليا للمعارضة بأن “الرسالة التي توجه إلى شعبنا: إما الرحيل أو الجوع”. قرابة نصف مليون “حلبي” بانتظار رحمة 48 ساعة لوقف إطلاق النار من أجل الإنسان في الداخل السوري حتى يتمكن العالم من وقف حطام الإنسان في سوريا كل الشعب وليس الرجل الفرد الأسد.

لا يمر يوم على الأزمة السورية التي تبحث عن الحل الضائع ما بين ذلك الحطام الذي طال كل شيء في سوريا، لأنها ماضية إلى استمرار الحرب إلى أجل غير مسمى، أي إلى مرحلة اللاسوريا.

عندما تهدد 48 منظمة مدنية سورية بالانسحاب من مفاوضات السلام “العاثرة”، لم تطالب في خطابها إلا “بعد خمس سنوات من الصراع، فإن شعبنا لا يرغب في أي سلام، بل يرغب في سلام عادل”، وهو ما ظُلم في مباحثات جنيف الثلاثة التي ذهبت إلى حتفها والرابعة بانتظار المفاجآت الأخرى.

بعض من أهل الاختصاص في التحليل السياسي يلقون باللائمة الأولى على أميركا حتى أن أحد عناوين الصنداي تليجراف خرج ليقول لنا، “أميركا وحدها تستطيع إجبار الأسد على التفاوض بشأن سوريا”.

يقول ريتشارد هاوس، المدير السابق بوزارة الخارجية الأميركية: إن “الهوة كانت دائماً كبيرة بين الأهداف التي أعلنتها الولايات المتحدة في سوريا، وما تقوم به من عمل لتحقيق هذه الأهداف، ومن بين هذه الأهداف، لا بد من رحيل الأسد”.

إن “جهود الولايات المتحدة لإنشاء قوات محلية سُنية في سوريا باءت بالفشل، لأن هذه القوات كان هدفها إسقاط الأسد، أما هدف الولايات المتحدة، فكان إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية”.

بعد دخول روسيا على خط الأزمة السورية بعمق صار الخطاب الأميركي عن الوضع الراهن مختلف، بل عكس ما كان يدور على الساحة السياسية منذ أسابيع قليلة.

وصفت الولايات المتحدة تعهد بشار الأسد باستعادة “كل شبر” من سوريا بأنه غير مشجع مطالبة روسيا وإيران بممارسة الضغط عليه لاحترام اتفاق وقف العمليات القتالية في البلاد، لقد ذهب هذا الاتفاق أدراج “الحطام” السوري، ولم نشم له رائحة، غير عفن الجثث التي تزكم الأنوف.

ماذا عن الحاضر، بعد أن عرفنا ما جرى في الأيام غير حاضرة أمامنا، فتركيا الدولة الوحيدة التي كانت تصر على رحيل الأسد إلى ما قبل الانقلاب تغيرت إلى النقيض وأعادت دوران الساعة إلى الوراء لكي تقبل ببقاء الأسد في المرحلة الانتقالية التي انتقلت إلى رحمة الله منذ أكثر من خمس سنوات مضت على وفاتها.

فتركيا اليوم ومعها روسيا وإيران وأميركا انقلبوا على الأزمة برمتها وطغى خطاب المصالح المشتركة، بل المختلطة بكل التناقضات السياسية التي كنّا نسمع عنها في النظريات السياسية، غدت اليوم، الميزان الذي يحكم المعادلة السورية مع كافة الشركاء في الثلث وأكثر.

هكذا يعلو صوت الواقع المفروض على صوت المعركة الذي كان عالياً وصداحاً لعقود، فـ “داعش” و”القاعدة” و”الحوثيون” و”حرب الإرهاب” بالجملة هي الشغل الشاغل الذي غطى على كل ما يحدث في الميدان في سوريا، بعد أن دمرت دواوين الحكم ومؤسساته المدنية والإنسانية في القصف العشوائي من قبل الأعداء والخصوم والأصدقاء، وشركاء هؤلاء ونيرانهم هي التي تساعد وتساهم في تحويل سوريا ذات المقام السامي إلى غبار أسود للحطام الذي يخرج من تحته يومياً شواهد الواقع الدامي والصراع الأعمى في منطقة لا تحتمل كل تلك الصراعات المؤدلجة بكافة اتجاهاتها وتياراتها التي أحرقت سوريا الشعب والوطن في وقت واحد، وفي فترة قصيرة من عمر انهيار الدول القائمة حتى وإن وصفت في يوم ما بالفاشلة، فبقية دولة حية خير من ترقب الموت الرحيم الذي يمارس ضد سوريا التاريخ رأس الحضارات الإنسانية ببطءودقة بالغة في تحطيم الحطام المتبقي من سوريا الآن.

رابط المصدر: مقام سوريا بعد الحطام

أضف تعليقاً