محاولات السلام العربي – الكردي

الدعم العلني الذي قدمه بنيامين نتانياهو يوم الأحد الفائت، لقيام دولة كردية في شرق المتوسط لم يحمل مفاجأة كبرى للمعنيين بالمشروع الصهيوني وبالتحالفات التي تنسجها “إسرائيل” في المنطقة. فالأحداث التي تعصف بالمنطقة تبدو وكأنها تهيئ المسرح في الشرق الأوسط لظهور دولة كردية مستقلة عن العراق ولربما عن سوريا معاً. ويبدي نتنياهو ترحيبه بهذا الكيان الجديد خاصة أنه يتخيله يتصف بثلاث صفات رئيسية: الصفة الأولى، أنه كيان محارب لشعب عرف بضراوته القتالية وشدة بأسه. ثانياً، أنه كيان ولد وسط الحروب والمعارك الدامية ضد أطراف عربية وهذا معناه أنه سوف يكون في السلم كما كان في الحرب، بعيداً عن التفاهم مع العرب. ثالثاً، أن هذا الكيان سوف يولد من حركة تحمل معها التجارب “المريرة” في العلاقة مع الدول الكبرى. وهذه الصفة الأخيرة جديرة بأن تكون أساساً للتوافق بين “إسرائيل” و الكيان الناشئ المرتقب حول كيفية التعامل مع القوى الكبرى وكيفية انتزاع التنازلات منها. إن الزعماء “الإسرائيليين” لا يكفون عن الشكوى من القوى الكبرى ومن المجتمع الدولي عموماً ومن الحالات التي لا تعد ولا تحصى التي جرى فيها التخلي عن الحركة الصهيونية وعن “إسرائيل” من أجل إرضاء خصومها وأعدائها. ويسعى معنيون بشؤون المنطقة باستخراج سجل مماثل للحالات التي تخلت فيها دول كبرى عن الحركة الكردية بعد أن قامت بنصيبها من التضحيات من أجل الدفاع عن مصالح هذه الدول ومشاريعها في منطقة الشرق الأوسط. ومن هذه الحالات التي تتكرر الإشارة إليها، ما حدث بعد التوصل عام 1975 إلى اتفاق الجزائر بين العراق وإيران. فقبل الاتفاق كان الصراع مستعراً في شمال العراق بين القوات العراقية المسلحة و”البيشمركة” المدعومة من قبل القوات المسلحة الإيرانية. ولكن بعد أن تم التوقيع على الاتفاق العراقي-الإيراني، أوقفت طهران كل أشكال التدخل في شمال العراق ما أدى، عملياً، إلى انهيار الحركة المسلحة الكردية واضطرار زعيمها الملا مصطفى البرزاني إلى مغادرة العراق نهائيا، لكي ينتهي به الأمر لاجئاً كسير البال في المهجر بعيداً عن أرض الوطن العراقي.لقد استغرق التحضير لاتفاق الجزائر فترة طويلة وفي إطار هذه التحضيرات، حاولت أطراف دولية وإقليمية تهيئة مناخ ملائم للاتفاق. وبرز على هذا الصعيد دور الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان على صلة حسنة بالقيادتين العراقية والكردية من أجل وضع حد للصراع المسلح في شمال العراق. ولكن موسكو لم تنجح في التوصل إلى نتائج حاسمة. ولم يكن حظ الزعامة الكردية مع الولايات المتحدة بأفضل من حظها مع الاتحاد السوفييتي السابق. فقد اعتقدت القيادة الكردية أنها في ساعات الشدة تستطيع الاعتماد على الإدارة الأمريكية من أجل حماية الحراك الكردي، فيكون اتفاق الجزائر مثلث الأطراف أي إيرانياً – عراقياً – كردياً. ولكن واشنطن نأت بنفسها عن مثل هذا التدخل، وتركت الحركة الكردية تنهار كلياً. ورد هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، على منتقدي موقف واشنطن تجاه الأكراد بقوله إن التدخل من أجل توفير الحماية لهم كان ممكناً فيما لو كان باستطاعة القوات المسلحة الأمريكية التحرك في أرض جبلية شديدة الوعورة وقريبة إلى الحدود السوفييتية. إبان هذه الفترة، وخوفاً من أن يخسر الأكراد كل ما حققوه سابقاً خاصة في إطار بيان 11مارس (آذار) عام 1970، فقد سعى الزعيم الكردي جلال الطالباني إلى إحياء بيان 11 آذار وتجديد المصالحة العراقية – الكردية. وفي اللقاء الذي تم في بيروت من أجل بحث هذه المبادرة أعرب الطالباني عن استعداد القيادة الكردية للتوصل إلى حل لكافة الإشكالات الرئيسية التي حالت دون تطبق بيان مارس آذار. واستعرض الطالباني ومحدثه هذه الاشكالات بصورة تفصيلية مؤكداً الرغبة في التوافق حولها. ولما وصل الاثنان إلى مسألة العلاقات الكردية -“الإسرائيلية” لم ينفها الطالباني ولا نفى نتائجها الضارة على مصالح العرب والأكراد معاً بل أكد أن القيادة الكردية سوف تضع حداً لها وتفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات العربية – الكردية بحيث تطوي كل ما في هذه العلاقات من ثغرات وسقطات وارتكابات. وبدا الطالباني في حديثه عن القضية الفلسطينية متحمساً لإحياء الموقف العربي – الكردي الموحد تجاهها، وواثقا من قدرته على إقناع القيادة الكردية بالتمسك قولاً وفعلاً بهذا الموقف.نقل موقف الطالباني بدقة إلى بغداد، ومن المرجح أن الطالباني نقل الهواجس العربية بدقة أيضاً إلى رفاقه في الحركة الكردية. بيد أن مبادرة الطالباني هذه لم تتوفر فيها نفس الشروط التي توفرت في مبادرة مماثلة سبقت قبل خمس سنوات تقريباً الوصول إلى بيان 11 مارس(آذار). وهكذا فيما أثمرت المبادرة الأولى حدثاً بالغ الأهمية في التاريخ العربي الحديث، ضاعت المبادرة الثانية في غمرة تطبيق اتفاق الجزائر. فهل نشهد مبادرة ثالثة تتوفر فيها رغبة صادقة في التوصل إلى سلام حقيقي بين العرب والأكراد أم يصر الطرفان على السير على طريق الآلام المشتركة بدلاً من الآمال المتآلفة؟


الخبر بالتفاصيل والصور


الدعم العلني الذي قدمه بنيامين نتانياهو يوم الأحد الفائت، لقيام دولة كردية في شرق المتوسط لم يحمل مفاجأة كبرى للمعنيين بالمشروع الصهيوني وبالتحالفات التي تنسجها “إسرائيل” في المنطقة. فالأحداث التي تعصف بالمنطقة تبدو وكأنها تهيئ المسرح في الشرق الأوسط لظهور دولة كردية مستقلة عن العراق ولربما عن سوريا معاً. ويبدي نتنياهو ترحيبه بهذا الكيان الجديد خاصة أنه يتخيله يتصف بثلاث صفات رئيسية: الصفة الأولى، أنه كيان محارب لشعب عرف بضراوته القتالية وشدة بأسه. ثانياً، أنه كيان ولد وسط الحروب والمعارك الدامية ضد أطراف عربية وهذا معناه أنه سوف يكون في السلم كما كان في الحرب، بعيداً عن التفاهم مع العرب. ثالثاً، أن هذا الكيان سوف يولد من حركة تحمل معها التجارب “المريرة” في العلاقة مع الدول الكبرى.

وهذه الصفة الأخيرة جديرة بأن تكون أساساً للتوافق بين “إسرائيل” و الكيان الناشئ المرتقب حول كيفية التعامل مع القوى الكبرى وكيفية انتزاع التنازلات منها.

إن الزعماء “الإسرائيليين” لا يكفون عن الشكوى من القوى الكبرى ومن المجتمع الدولي عموماً ومن الحالات التي لا تعد ولا تحصى التي جرى فيها التخلي عن الحركة الصهيونية وعن “إسرائيل” من أجل إرضاء خصومها وأعدائها. ويسعى معنيون بشؤون المنطقة باستخراج سجل مماثل للحالات التي تخلت فيها دول كبرى عن الحركة الكردية بعد أن قامت بنصيبها من التضحيات من أجل الدفاع عن مصالح هذه الدول ومشاريعها في منطقة الشرق الأوسط.

ومن هذه الحالات التي تتكرر الإشارة إليها، ما حدث بعد التوصل عام 1975 إلى اتفاق الجزائر بين العراق وإيران. فقبل الاتفاق كان الصراع مستعراً في شمال العراق بين القوات العراقية المسلحة و”البيشمركة” المدعومة من قبل القوات المسلحة الإيرانية. ولكن بعد أن تم التوقيع على الاتفاق العراقي-الإيراني، أوقفت طهران كل أشكال التدخل في شمال العراق ما أدى، عملياً، إلى انهيار الحركة المسلحة الكردية واضطرار زعيمها الملا مصطفى البرزاني إلى مغادرة العراق نهائيا، لكي ينتهي به الأمر لاجئاً كسير البال في المهجر بعيداً عن أرض الوطن العراقي.

لقد استغرق التحضير لاتفاق الجزائر فترة طويلة وفي إطار هذه التحضيرات، حاولت أطراف دولية وإقليمية تهيئة مناخ ملائم للاتفاق. وبرز على هذا الصعيد دور الاتحاد السوفييتي السابق الذي كان على صلة حسنة بالقيادتين العراقية والكردية من أجل وضع حد للصراع المسلح في شمال العراق. ولكن موسكو لم تنجح في التوصل إلى نتائج حاسمة. ولم يكن حظ الزعامة الكردية مع الولايات المتحدة بأفضل من حظها مع الاتحاد السوفييتي السابق. فقد اعتقدت القيادة الكردية أنها في ساعات الشدة تستطيع الاعتماد على الإدارة الأمريكية من أجل حماية الحراك الكردي، فيكون اتفاق الجزائر مثلث الأطراف أي إيرانياً – عراقياً – كردياً.

ولكن واشنطن نأت بنفسها عن مثل هذا التدخل، وتركت الحركة الكردية تنهار كلياً. ورد هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، على منتقدي موقف واشنطن تجاه الأكراد بقوله إن التدخل من أجل توفير الحماية لهم كان ممكناً فيما لو كان باستطاعة القوات المسلحة الأمريكية التحرك في أرض جبلية شديدة الوعورة وقريبة إلى الحدود السوفييتية.

إبان هذه الفترة، وخوفاً من أن يخسر الأكراد كل ما حققوه سابقاً خاصة في إطار بيان 11مارس (آذار) عام 1970، فقد سعى الزعيم الكردي جلال الطالباني إلى إحياء بيان 11 آذار وتجديد المصالحة العراقية – الكردية. وفي اللقاء الذي تم في بيروت من أجل بحث هذه المبادرة أعرب الطالباني عن استعداد القيادة الكردية للتوصل إلى حل لكافة الإشكالات الرئيسية التي حالت دون تطبق بيان مارس آذار.

 واستعرض الطالباني ومحدثه هذه الاشكالات بصورة تفصيلية مؤكداً الرغبة في التوافق حولها. ولما وصل الاثنان إلى مسألة العلاقات الكردية -“الإسرائيلية” لم ينفها الطالباني ولا نفى نتائجها الضارة على مصالح العرب والأكراد معاً بل أكد أن القيادة الكردية سوف تضع حداً لها وتفتح صفحة جديدة في سجل العلاقات العربية – الكردية بحيث تطوي كل ما في هذه العلاقات من ثغرات وسقطات وارتكابات. وبدا الطالباني في حديثه عن القضية الفلسطينية متحمساً لإحياء الموقف العربي – الكردي الموحد تجاهها، وواثقا من قدرته على إقناع القيادة الكردية بالتمسك قولاً وفعلاً بهذا الموقف.

نقل موقف الطالباني بدقة إلى بغداد، ومن المرجح أن الطالباني نقل الهواجس العربية بدقة أيضاً إلى رفاقه في الحركة الكردية. بيد أن مبادرة الطالباني هذه لم تتوفر فيها نفس الشروط التي توفرت في مبادرة مماثلة سبقت قبل خمس سنوات تقريباً الوصول إلى بيان 11 مارس(آذار). وهكذا فيما أثمرت المبادرة الأولى حدثاً بالغ الأهمية في التاريخ العربي الحديث، ضاعت المبادرة الثانية في غمرة تطبيق اتفاق الجزائر. فهل نشهد مبادرة ثالثة تتوفر فيها رغبة صادقة في التوصل إلى سلام حقيقي بين العرب والأكراد أم يصر الطرفان على السير على طريق الآلام المشتركة بدلاً من الآمال المتآلفة؟

رابط المصدر: محاولات السلام العربي – الكردي

أضف تعليقاً