ساحة المعارك تزداد تعقيداً في سوريا

كأن الحرب في سوريا ينقصها المقاتلون، فقد دخلت دولة أخرى العراك أخيرا. ففي 24 أغسطس، أرسلت تركيا دباباتها وطائراتها الحربية وقواتها الخاصة عبر الحدود، فأخرجت تنظيم «داعش» من جرابلس، التي تعتبر نقطة إمداد هامة بالنسبة للمتشددين. الحملة التركية كانت مدعومة من أميركا التي تقود

تحالفاً مناهضاً لـ«داعش»، إلا أنها زادت مشاعر القلق داخل سوريا. وكان القتال قد أصبح أكثر فوضوية في الآونة الأخيرة، فالتحالفات كانت تتغير باستمرار، وبدا السلام، بآفاقه القاتمة أصلاً، أبعد من ذي قبل. وما يدل على هذا المشهد المتغير هو وضع الحسكة في شمال شرقي البلاد. كان الجيش السوري التابع للأسد حتى فترة متأخرة يتجنب الميليشيات الكردية في أغلب الأحيان، وبدا في أحيان أخرى بأنه يعمل معها في مواجهة المعارضة السنية. وقد ركز الأكراد نيرانهم على «داعش» وحاولوا تعزيز منطقتهم المعلنة المتمتعة بحكم شبه ذاتي، لكن الحكومة اصطدمت معهم أخيراً في الحسكة. دينامية متغيرة ويبدو أن هذا القتال يرتبط بالعلاقات التي أصبحت أكثر دفئا بين روسيا وإيران وتركيا. وكان التوتر بين روسيا وتركيا قد وصل ذروته في نوفمبر 2015 عندما أسقطت طائرة «إف16» تركية طائرة نفاثة روسية انتهكت الأجواء التركية، لكن انفراجة أخيرة في العلاقات بينهما، إلى جانب مخاوف تركية حيال القوة الكردية وإرهاب «داعش»، غيرت هذه الدينامية. بدورها، أعربت الحكومة السورية عن عدم ارتياحها للتطلعات الكردية في اجتزاء الأراضي. ويردد الجيش السوري الآن صدى التصريحات التركية التي تربط الحزب الكردي الرئيسي في سوريا، حزب الاتحاد الديمقراطي، مع حزب العمال الكردستاني الذي شن حرب عصابات طويلة الأمد ضد تركيا. انجرار إلى الصراع وتحاول أميركا التمسك بمهمتها الضيقة في إلحاق الهزيمة بـ«داعش»، إلا أنها تخاطر في الانجرار إلى الصراع الأوسع نطاقاً. فالغارات الجوية التي شنتها الطائرات السورية حول الحسكة في 18 أغسطس اقتربت من الجنود الأميركيين، الذين يدعمون الأكراد في قتالهم ضد «داعش». وقد أفضى الدعم الأميركي للأكراد في سوريا إلى توتير علاقة الولايات المتحدة بتركيا، ثم شكوك تركية لا أساس لها بأن أميركا كانت متورطة في محاولة الانقلاب زادت مشاعر عدم الثقة، ويقول أميل هوكايم من المؤسسة الدولية للدراسات الاستراتيجية: «تركيا قررت أن أميركا ليست في وضع يمكّنها من ضمان مصالحها في سوريا». أدلة جديدة على ذلك وصلت أخيرا مع تحرير بلدة منبج. كانت أميركا قد أكدت لتركيا بأن المقاتلين العرب سوف يقودون المسار داخل المدينة، لكن قوات الحزب الوحدة الديمقراطي كانت في الطليعة، ويرفض الأكراد الآن المغادرة. وكان المتشددون قد تراجعوا شمالاً وغرباً نحو جرابلس والباب. فوضع الأكراد «الباب» نصب أعينهم، لأنها تتيح لهم ربط الأجزاء الشرقية والغربية من «روجافا»، فيما أمل غيرهم بالاستيلاء على جرابلس، ويبدو الأتراك عازمين الآن على مركزة الألوف من قوات المعارضة السورية من غير الأكراد فيها. ويتمثل الخطر في التقاء الهجوم التركي بالمقاومة الكردية، مما يؤلب حليف أميركي ضد وكيل أميركي، مع توفير الطائرات الأميركية التغطية الجوية. وفي مؤتمر صحافي في أنقرة، أخيراً، حذر نائب الرئيس الأميركي جو بايدن من أن حزب الاتحاد الديمقراطي يخاطر بخسارة الدعم الأميركي إذا لم يتراجع. لكن الأكراد لن يغادروا بهدوء، ويغرد أحد قادة حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، صالح مسلم على تويتر: «تركيا لديها الكثير لتخسره في المستنقع السوري». تصرح قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد أنها «على استعداد للدفاع عن البلاد ضد أي خطط تهدف لاحتلال مباشر أو غير مباشر». وفي غضون ذلك، تعمل روسيا على تأسيس وجود دائم لها في المنطقة من خلال جعل قاعدتها الجوية في اللاذقية قاعدة دائمة وبالعمل عن كثب مع إيران. ويقول مدير مركز كارنيجي في موسكو ديمتري ترنين إن الشرق الأوسط تحول إلى «منصة لطموحات روسيا كقوة عظمى للقرن 21»، لكن روسيا تخاطر بالغرق في حرب مستعصية وممتدة. وفي تلك الحالة، فإن دوام البقاء قد لا يكون مرغوباً به. معضلات تثير تحركات تركيا المخاوف في حلب، حيث قامت قوات من المعارضة السورية بفك الحصار الحكومي عليها أخيرا. بعضهم يشعر بالقلق الآن من أن تركيا، احتراماً لجهات خارجية داعمة للأسد، سوف تقطع دعمها لهم. وكان قتال شرس قد أسفر عن انقطاع الطعام والمياه والأدوية عن معظم شرق حلب. مثل هذه المعاناة وتقرير للأمم المتحدة جديد يوثق الاستخدام المستمر للأسلحة الكيماوية دفعا بعضهم للأمل بأن أميركا سوف تتدخل بقوة أكبر لحماية المدنيين ومعاقبة النظام. لكن جماعات متمردة قد تستفيد من ذلكاً. ويقول ثاناسيس كامبانيس من مركز بحوث «سنتشري فاونديشن» إن: «أميركا تخاطر بأن تتحول إلى القوة الجوية للجماعات المتشددة».


الخبر بالتفاصيل والصور


أضف تعليقاً